إغاثة اللهفان

بحقه، وإن جحد بعضه حُلّف على نَفْي ما ادّعاه، وكان صادقًا.

المثال الثامن والسبعون: إذا باعه سِلعةً ولم يُقْبِضه إياها، أو آجره دارًا ولم يتسلّمها، أو زوَّجه ابنته ولم يُسلّمها إليه، ثم ادّعى عليه بالثمن، أو الأجرة، أو المهر، فخاف إن أنكره أن يستحلفه، أو يُقيم عليه البيّنة بجريان هذه العقود، وإن أقرّ لزمه ما ادّعى عليه به:

فالحيلة في تخلصه أن يقول في الجواب: إن ادعيت هذا المبلغ من ثمن مَبيع لم أقبضه، أو إجارة دار لم تسلمها إليّ، أو نكاح امرأة لم تسلمها إليّ، أو كانت المرأة هي التي ادَّعت، فقال: إن ادعيت هذا المبلغ من مَهْرٍ أو كُسْوةٍ أو نفقةٍ من نكاح لم تُسَلّمي إليّ نفسك فيه، ولم تُمكّنيني من استيفاء المعقود عليه، فأنا مُقرّ به، وإن كان غير ذلك فلا أقرّ به١، وهذا جواب صحيح يتخلّص به.

فإن قيل: فهذا تعليق للإقرار بالشرط، والإقرار لا يصح تعليقه، كما لو قال: إن شاء الله أو إن شاء زيد فله عليّ ألف.

قيل: بل يصح تعليق الإقرار بالشرط في الجملة، كقوله: إذا جاء رأس الشهر فله عليّ ألفٌ؛ فهذا إقرار صحيح، ولا يلزمه قبل مجيء الشهر، وكذا لو قال: إن شهد فلان عليّ بما ادّعاه صَدّقْتُه، صحَّ التعليق، فإذا شهد به عليه فلان كان مُقرًّا به، ولا فرق بين تقديم الشرط وتأخيره، كما في تعليق الطلاق والعتاق والخلع.

وفيه وجه آخر: أنه إن أخّر الشرط لم ينفعه، وكان إقرارًا ناجزًا، وهذا

  1. (١) «به» ساقطة من م.
737

ضعيف جدًّا؛ فإن الكلام بآخِره، ولو بطل الشرط الملحق به لبطل الاستثناء والبَدَلُ والصفة؛ فإن ذلك يُغيّر الكلام، ويخرجه من العموم إلى الخصوص، والشرطُ يخرجه من الإطلاق إلى التقييد، فهو أولى بالصحة.

وقد جاء تأخير الشرط في القرآن فيما هو أبلغ من الإقرار، كقوله تعالى حاكيًا عن نبيه شُعيب ﵇ أنه قال لقومه: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٩].

وقد وافق صاحب هذا الوجه على أنه إذا قال: له علي ألفُ درهم إذا جاء رأسُ الشهر أنه يصح، وجهًا واحدًا، وهذا يُبطلُ تعليله بأن إلحاق الشرط بعد الخبر كالرجوع عن الإقرار.

وعلى هذا فلو قال: له علي ألفٌ مؤجلة صحّ الإقرار، ولزمه الألف مؤجَّلًا.

وقيل: [١٠٠ أ] القول قول خصمه في حلوله، وشبهة هذا: أنه مُقرّ بالدَّين مُدّعٍ لحلوله. وهذا ظاهر البطلان؛ فإنه إنما أقرّ به على هذه الصفة، فلا يجوز إلزامه به مطلقًا، كما لو وصفها بنقدٍ غير النقد الغالب، أو استثنى منها شيئًا.

وكذا لو قال: له عليّ ألفٌ من ثمن مبيع لم أقْبِضْهُ، أو أجرةٍ عن دار لم أتسلّمها، أو قال: هلك قبل التمكّن من قَبْضه، على أصحّ الوجهين؛ لأنه إنما أقرّ به على هذه الصفة، فلا يجوز إلزامه به مطلقًا.

وكذا لو قال: كان له عليّ ألف فقَضّيْتُه، لم يلزمه؛ لأنه إنما أقرّ به في الماضي، لا في الآن، هذا منصوص أحمد، وليس الكلام بمتناقض في نفسه، فيكون بمنزلة قوله: له علي ألف لا يلزمني، والفرق بين الكلامين أظهر من

738

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي