إغاثة اللهفان

ضعيف جدًّا؛ فإن الكلام بآخِره، ولو بطل الشرط الملحق به لبطل الاستثناء والبَدَلُ والصفة؛ فإن ذلك يُغيّر الكلام، ويخرجه من العموم إلى الخصوص، والشرطُ يخرجه من الإطلاق إلى التقييد، فهو أولى بالصحة.

وقد جاء تأخير الشرط في القرآن فيما هو أبلغ من الإقرار، كقوله تعالى حاكيًا عن نبيه شُعيب ﵇ أنه قال لقومه: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٩].

وقد وافق صاحب هذا الوجه على أنه إذا قال: له علي ألفُ درهم إذا جاء رأسُ الشهر أنه يصح، وجهًا واحدًا، وهذا يُبطلُ تعليله بأن إلحاق الشرط بعد الخبر كالرجوع عن الإقرار.

وعلى هذا فلو قال: له علي ألفٌ مؤجلة صحّ الإقرار، ولزمه الألف مؤجَّلًا.

وقيل: [١٠٠ أ] القول قول خصمه في حلوله، وشبهة هذا: أنه مُقرّ بالدَّين مُدّعٍ لحلوله. وهذا ظاهر البطلان؛ فإنه إنما أقرّ به على هذه الصفة، فلا يجوز إلزامه به مطلقًا، كما لو وصفها بنقدٍ غير النقد الغالب، أو استثنى منها شيئًا.

وكذا لو قال: له عليّ ألفٌ من ثمن مبيع لم أقْبِضْهُ، أو أجرةٍ عن دار لم أتسلّمها، أو قال: هلك قبل التمكّن من قَبْضه، على أصحّ الوجهين؛ لأنه إنما أقرّ به على هذه الصفة، فلا يجوز إلزامه به مطلقًا.

وكذا لو قال: كان له عليّ ألف فقَضّيْتُه، لم يلزمه؛ لأنه إنما أقرّ به في الماضي، لا في الآن، هذا منصوص أحمد، وليس الكلام بمتناقض في نفسه، فيكون بمنزلة قوله: له علي ألف لا يلزمني، والفرق بين الكلامين أظهر من

738

أن يَحتاج إلى بيان.

وعن أحمد رواية أخرى: أنه مُقِرّ بالحق مُدّعٍ لقضائه، فلا يُقبل منه إلا ببينةٍ، وهذا قول الأئمة الثلاثة.

وعنه رواية ثالثة: أن هذا ليس بجواب صحيح، فيُطالَبُ بردّ الجواب.

وعلى هذا فإذا قال: له علي ألف قضيته إيّاه، ففيه ثلاثُ رواياتٍ منصوصات:

إحداهن: أنه غير مُقِرٍّ، كما لو قال: كان له عليّ.

والثانية: أنه مقرٌّ مُدّع للقضاء، فلا يُقبل منه إلا ببينة.

والثالثة: أنه لا يسمع منه دعوى القضاء، ولو أقام به بينةً، بل يكون مكذبًا لها.

وعلى هذا إذا قال: كان له عليّ، ولم يَزد على هذا، فهو مُقرّ.

وخُرّج أنه غير مُقِرٍّ من نَصّه، على أنه إذا قال: كان له عليّ وقضيته، أنه غير مُقِرٍّ.

وهو تخريج في غاية الصحة؛ فإن أحمد لم يجعله غير مُقرٍّ من قوله: وقضيته؛ فإن هذا دعوى منه للقضاء، وإنما جعله كذلك من جهة أنه أخبر عن الماضي لا عن الحال، فلا يُلزَم بكونه في ذمَّته في الحال، وهو لم يُقرّ به.

والمقصود: أن المدَّعَى عليه إذا كان مظلومًا فالحيلة في تخلُّصه أن يقول: إن ادّعيت كذا من جهة كذا وكذا فأنا غيرُ مُقرٍّ به، وإن ادّعيته من جهة كذا وكذا فأنا مقر به: كان جوابًا صحيحًا، ولم يكن مُقرًّا على الإطلاق.

739

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي