إغاثة اللهفان

وإنما أطَلْنا الكلام في هذا المثال لشدّة حاجة الناس إلى ذلك، ولعموم البلوى، وكثرة الفجور، وانتشار الضرر بتمكين المرأة من هذه الدعوى، أو سماعها، وجَعْلِ القول قوْلها، وفى ذلك كفاية، وإلا فهي تحتمل أكثر من ذلك.

فصل

والمقصود بهذه الأمثلة وأضعافها مما لم نذكره: أن الله سبحانه أغنانا بما شَرَعه لنا من الحنيفية السمحة، وما يسّرَه من الدين على لسان رسوله ﷺ، وسهَّله للأمة: عن الدخول في الآصار والأغلال، وعن ارتكاب طُرق المكر والخداع والاحتيال، كما أغنانا عن كل باطل ومحرم وضارٍّ، بما هو أنفعُ لنا منه من الحق، والمباح النافع.

فأغنانا بأعياد الإسلام: عن أعياد الكفار والمشركين من أهل الكتاب، والمجوس، والصابئين، وعَبَدَة الأصنام.

وأغنانا بوجوه التجارات، والمكاسب الحلال: عن الربا والميْسر والقِمار.

وأغنانا بنكاح ما طاب لنا من النساء مَثْنى وثُلاث ورُباع، والتّسَرّي بما شئنا من الإماء: عن الزنى والفواحش.

وأغنانا بأنواع الأشربة اللذيذة، النافعة للقلب والبدن: عن الأشربة الخبيثة المسكرة، المُذْهبة للعقل والدِّين.

وأغنانا بأنواع الملابس الفاخرة من الكَتّان، والقُطن، والصوف: عن الملابس المحرّمة من الحرير، والذهب.

761

وأغنانا عن سماع الأبيات وقرآن الشيطان: بسماع الآيات وكلام الرحمن.

وأغنانا عن الاستقسام بالأزلام طلبًا لما هو خيرٌ وأنفعُ لنا: باستخارته التي هي توحيد، وتفويض، واستعانة، وتوكُّل.

وأغنانا عن طلب التنافس في الدنيا وعاجلها: بما أحبّه١ لنا ونَدَبنا إليه من التنافس في الآخرة، وما أعدّ لنا فيها، وأباح الحسد في ذلك، وأغنانا به عن الحسد على الدنيا وشهواتها.

وأغنانا بالفَرَح بفضله ورحمته وهما القرآن والإيمان: عن الفرَح بما يجمعه أهل الدنيا من المتاع والعقار والأثمان، فقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].

وأغنانا بالتكبُّر على أعداء الله تعالى، وإظهار الفَخْر والخيلاء لهم: عن التكبُّر على أولياء الله تعالى، والفخر والخُيلاء عليهم، فقال ﷺ لمن رآه يتبختر بين الصَّفَّين: «إنها لَمِشْيةٌ يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن»٢.

  1. (١) ح، ظ، ت: «أباحه».
  2. (٢) رواه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٥٤) والطبراني في الكبير (٧/ ١٠٤) من طريق خالد بن سليمان بن عبد الله بن خالد بن سماك بن خرشة عن أبيه عن جده، قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٥٧): «فيه من لم أعرفه». ورواه ابن إسحاق (٤/ ١٣ سيرة ابن هشام) ــ ومن طريقه الطبري في تاريخه (٢/ ٦٣ - ٦٤) ــ عن جعفر بن عبد الله بن أسلم عن رجل من الأنصار من بني سلمة به مرفوعًا. ورواه البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٣٣، ٢٣٤) والخطيب في المتفق والمفترق من طريق ابن إسحاق عن جعفر بن عبد الله بن أسلم عن معاوية بن معبد بن كعب به مرسلًا، ومعاوية بن معبد لا يُعرَف.
762

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي