إغاثة اللهفان

وأغنانا عن سماع الأبيات وقرآن الشيطان: بسماع الآيات وكلام الرحمن.

وأغنانا عن الاستقسام بالأزلام طلبًا لما هو خيرٌ وأنفعُ لنا: باستخارته التي هي توحيد، وتفويض، واستعانة، وتوكُّل.

وأغنانا عن طلب التنافس في الدنيا وعاجلها: بما أحبّه١ لنا ونَدَبنا إليه من التنافس في الآخرة، وما أعدّ لنا فيها، وأباح الحسد في ذلك، وأغنانا به عن الحسد على الدنيا وشهواتها.

وأغنانا بالفَرَح بفضله ورحمته وهما القرآن والإيمان: عن الفرَح بما يجمعه أهل الدنيا من المتاع والعقار والأثمان، فقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].

وأغنانا بالتكبُّر على أعداء الله تعالى، وإظهار الفَخْر والخيلاء لهم: عن التكبُّر على أولياء الله تعالى، والفخر والخُيلاء عليهم، فقال ﷺ لمن رآه يتبختر بين الصَّفَّين: «إنها لَمِشْيةٌ يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن»٢.

  1. (١) ح، ظ، ت: «أباحه».
  2. (٢) رواه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٥٤) والطبراني في الكبير (٧/ ١٠٤) من طريق خالد بن سليمان بن عبد الله بن خالد بن سماك بن خرشة عن أبيه عن جده، قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٥٧): «فيه من لم أعرفه». ورواه ابن إسحاق (٤/ ١٣ سيرة ابن هشام) ــ ومن طريقه الطبري في تاريخه (٢/ ٦٣ - ٦٤) ــ عن جعفر بن عبد الله بن أسلم عن رجل من الأنصار من بني سلمة به مرفوعًا. ورواه البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٣٣، ٢٣٤) والخطيب في المتفق والمفترق من طريق ابن إسحاق عن جعفر بن عبد الله بن أسلم عن معاوية بن معبد بن كعب به مرسلًا، ومعاوية بن معبد لا يُعرَف.
762

وأغنانا بالفروسية الإيمانية، والشجاعة الإسلامية التي تأثيرُها في الغضب على أعدائه ونصرة دينه: عن الفروسية الشيطانية، التي يَبْعثُ عليها الهَوى وحَمِيَّة الجاهلية.

وأغنانا بالخلوَة الشرعية حال الاعتكاف: عن الخلوة البِدْعِيَّةِ التي يُترك لها الحج والجهاد والجمعة والجماعة.

وكذلك أغنانا بالطرق الشرعية: عن طُرق أهل المكر والاحتيال.

فلا تشتد حاجة الأمة إلى شيء إلا وفيما جاء به الرسول ﷺ ما يقتضي إباحته١ وتَوسعته، بحيث لا يُحْوِجهم فيه إلى مكر واحتيال، ولا يُلزمهم الآصار والأغلال، فلا هذا من دينه ولا هذا.

كما أغنانا بالبراهين والآيات التي أرشد إليها القرآن: عن الطرق المتكلَّفة المتعَسَّفة المعقَّدة، التي باطلها أضعاف [١٠٥ أ] حقِّها، من الطرق الكلامية التي الصحيحُ منها: «كلحم جملٍ غَثٍّ، على رأس جبل وَعْرٍ، لا سهل فيُرتقى، ولا سمين فيُنتقَل»٢.

ونحن نعلم علمًا لا نشك فيه أن الحيل التي تتضمّن تحليل ما حرّمه الله تعالى، وإسقاط ما أوجبه، لو كانت جائزة لسَنّها الله سبحانه، وندب إليها؛ لما فيها من التَّوْسِعَةِ والفَرَجَ للمكروب، والإغاثة للملهوف، كما ندب إلى الإصلاح بين الخصمين.

وقد قال المبعوث بالحنيفية السمحة ﷺ: «ما تركتُ من شيء يُقَرّبكم

  1. (١) في الأصل: «حاجته».
  2. (٢) جزء من حديث أم زرع الذي أخرجه البخاري (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨) عن عائشة.
763

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي