إغاثة اللهفان

ومن هذا الباب: احتيال المرأة على فَسْخ نكاح الزوج، مع إمساكه بالمعروف، بإنكارها الإذن للوليّ، أو إساءة عِشرة الزوج، ونحو ذلك.

واحتيال البائع على فسخ البيع بدعواه أنه كان محجورًا عليه.

واحتيال المشتري على الفسخ بأنه لم يَرَ المبيع.

واحتيال المؤجّر على المستأجر في فسخ الإجارة، أو احتيال المستأجر عليه بأنه استأجر ما لم يره.

واحتيال الراهن على المرتهن في فسخ الرهن بأن يُظهر أنه آجَرَه قبل الرهن، أو كان رَهنه عند زوجته، أو أمته١، ونحو ذلك.

فهذا النوع لا يستريبُ أحدٌ أنه من كبائر الإثم، وهو من أقبح المحرَّمات، وهو بمنزلة لحم خنزير، من جهة أنَّه٢ في نفسه معصية؛ لتضمُّنه الكذب والزُّور، ومن جهة تضمُّنه إبطال الحق، وإثبات الباطل.

القسم الثالث٣: ما هو مباحٌ في نفسه، لكن بقصد المحرم صار حرامًا، كالسفر لقطع الطريق، ونحو ذلك، فهاهنا المقصود حرامٌ، والوسيلة في نفسها غير محرَّمة، لكن لما توسّل بها إلى الحرام صارت حرامًا.

القسم الرابع: أن يقصد بالحيلة أخذ حقٍّ، أو دفع باطل، لكن يكون الطريق إلى حصول ذلك محرّمة، مثل أن يكون له على رجل حقّ فيجحده، فيقيم شاهدين لا يعرفان غريمه ولم يرياه، يشهدان له بما ادّعاه، فهذا محرّم أيضًا، وهو عند الله تعالى عظيم؛ لأن الشاهدين يشهدان بالزور، وشهادة

  1. (١) في بعض النسخ: «ابنه».
  2. (٢) في الأصل وبقية النسخ: «ميت حرام أنه». وهو تحريف لا معنى له.
  3. (٣) لم يذكر المؤلف القسم الثاني. ولكن جعل القسم الأول قسمين، فقام مقامه.
768

الزور من الكبائر، وقد حملهما على ذلك.

وكذلك لو كان له عند رجل دَين، فيجحده إياه، وله عنده وديعةٌ، فَجَحد الوديعة، وحلف أنه لم يودعه.

أو كان له على رجل دَيْنٌ لا بيِّنة له به، ودين آخر به بينة، لكنه اقتضاه منه، فيدّعي هذا الدين، ويقيم به بينة، وينكر الاستيفاء.

أو يكون قد اشترى منه شيئًا، فظهر به عيب تَلِفَ المبيع به، فادّعى عليه بثمنه، فأنكر أصل العقد، وأنه لم يشترِ منه شيئًا.

أو تزوج امرأة، فأنفق عليها مدة طويلة، فادَّعت عليه أنه لم ينفق عليها شيئًا، فجحد نكاحها بالكلِّية.

فهذا حرام أيضًا؛ لأنه كذب، ولاسيما إن حلف عليه، ولكن لو تأوّل في يمينه لم يكن به بأس، فإنه مظلوم.

فإن قيل: فما تقولون لو عامله معاملة رِبًا، فقبض رأس ماله، ثم ادّعى عليه بالزيادة المحرَّمة، هل يسوغُ له أن ينكر المعاملة أو يحلفَ عليها؟

قيل: يَسُوغُ له الحَلِفُ على عدم استحقاقها، وأن دعواها دعَوَى باطلة، فلو لم يقبلْ منه الحاكمُ هذا الجوابَ ساغ له التأويل في [١٠٦ أ] اليمين؛ لأنه مظلوم، ولا يسوغُ له الإنكارُ والحلفُ من غير تأويل؛ لأنه كذب صريح، فليس له أن يُقابل الفجور بمثله، كما أنه ليس له أن يكذبَ على من كذب عليه، أو يقذف من قذفه، أو يَفجُر بزوجةِ مَنْ فَجَر بزوجته، أو بابنِ مَنْ فَجر بابْنِهِ.

فإن قيل: فما تقولون في مسألة الظَّفَرِ؟ هل هي من هذا الباب، أو من القصاص المباح؟

769

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي