إغاثة اللهفان

الزور من الكبائر، وقد حملهما على ذلك.

وكذلك لو كان له عند رجل دَين، فيجحده إياه، وله عنده وديعةٌ، فَجَحد الوديعة، وحلف أنه لم يودعه.

أو كان له على رجل دَيْنٌ لا بيِّنة له به، ودين آخر به بينة، لكنه اقتضاه منه، فيدّعي هذا الدين، ويقيم به بينة، وينكر الاستيفاء.

أو يكون قد اشترى منه شيئًا، فظهر به عيب تَلِفَ المبيع به، فادّعى عليه بثمنه، فأنكر أصل العقد، وأنه لم يشترِ منه شيئًا.

أو تزوج امرأة، فأنفق عليها مدة طويلة، فادَّعت عليه أنه لم ينفق عليها شيئًا، فجحد نكاحها بالكلِّية.

فهذا حرام أيضًا؛ لأنه كذب، ولاسيما إن حلف عليه، ولكن لو تأوّل في يمينه لم يكن به بأس، فإنه مظلوم.

فإن قيل: فما تقولون لو عامله معاملة رِبًا، فقبض رأس ماله، ثم ادّعى عليه بالزيادة المحرَّمة، هل يسوغُ له أن ينكر المعاملة أو يحلفَ عليها؟

قيل: يَسُوغُ له الحَلِفُ على عدم استحقاقها، وأن دعواها دعَوَى باطلة، فلو لم يقبلْ منه الحاكمُ هذا الجوابَ ساغ له التأويل في [١٠٦ أ] اليمين؛ لأنه مظلوم، ولا يسوغُ له الإنكارُ والحلفُ من غير تأويل؛ لأنه كذب صريح، فليس له أن يُقابل الفجور بمثله، كما أنه ليس له أن يكذبَ على من كذب عليه، أو يقذف من قذفه، أو يَفجُر بزوجةِ مَنْ فَجَر بزوجته، أو بابنِ مَنْ فَجر بابْنِهِ.

فإن قيل: فما تقولون في مسألة الظَّفَرِ؟ هل هي من هذا الباب، أو من القصاص المباح؟

769

قيل: قد اختلف الفقهاء فيها على خمسة أقوال:

أحدها: أنها من هذا الباب، وأنه ليس له أن يخون مَنْ خانه، ولا يجْحَد من جحده، ولا يغصب من غصبه، وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك.

والثاني: يجوز له أن يَسْتَوْفي قدر حقَّه إذا ظفر بماله، سواءً ظفر بجنسه أو غير جنسه، وفى غير الجنس يدفعه إلى الحاكم يبيعه، ويستوفي ثمنه منه، وهذا قول أصحاب الشافعي.

والثالث: يجوز له أن يستوفي قدر حقّه إذا ظفر بجنس ماله، وليس له أن يأخذ من غير الجنس، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة.

والرابع: أنه إن كان عليه دين لغيره لم يكن له الأخذ، وإن لم يكن عليه دَينٌ فله الأخذ، وهذا إحدى الروايتين عن مالك.

والخامس: أنه إن كان سببُ الحق ظاهرًا كالنكاح، والقرابة، وحق الضيف، جاز للمستحق الأخذ بقدر حقّه، كما أذن فيه النبي ﷺ لهندٍ أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها ويكفي بَنِيها١، وكما أذن لمن نزل بقوم ولم يُضيّفوه أن يُعْقِبَهم في مالهم بمثل قِراه، كما في «الصحيحين»٢ عن عقْبة بن عامر، قال: قلت للنبي: إنك تبعثنا، فننزلُ بقوم لا يَقْرونا، فما ترى؟ فقال لنا: «إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم».

  1. (١) أخرجه البخاري (٢٤٦٠)، ومسلم (١٧١٤) عن عائشة.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧).
770

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي