وفي «المسند»١ من حديث المِقْدام أبي كَريمة، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من نزل بقوم فعليهم أن يَقْروه، فإن لم يَقروه فله أن يُعْقِبَهم بمثل قِراه».
وفي «المسند» لأحمد٢ أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «أيُّما ضيفٍ نزل بقوم، فأصبح الضيف محرومًا، فله أن يأخذ بقدر قِراه، ولا حَرَج عليه».
وإن كان سبب الحق خفيًّا، بحيث يُتّهم بالأخذ، وينسب إلى الخيانة ظاهرًا، لم يكن له الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة، وإن كان في الباطن آخذًا حقَّه، كما أنه ليس له أن يتعرض للتهمة التي تُسلّط الناس على عِرْضه، وإن ادّعى أنه مُحِقٌّ غير مُتَّهم.
(١) مسند أحمد (٤/ ١٣٠)، ورواه أيضًا أبو داود (٣٨٠٦، ٤٦٠٦)، والطحاوي في شرح المعاني (٦١٥٥) وفي شرح المشكل (٧/ ٢٤٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٨٢، ٢٨٣) وفي مسند الشاميين (١٠٦١، ١٠٦٣، ١٨٨١)، والدارقطني (٤/ ٢٨٧)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٣٣٢)، وغيرهم من طرقٍ عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي عن المقدام به، وورد من طريق الشعبي وسعيد بن المهاجر وأبي يحيى سليم بن عامر الكلاعي عن المقدام بمعناه، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٨٧٠).
(٢) مسند أحمد (٢/ ٣٨٠) من طريق معاوية بن صالح عن أبي طلحة نعيم بن زياد عن أبي هريرة، وبهذا الإسناد رواه الطحاوي في شرح المعاني (٦١٥٣، ٦١٥٤) وفي شرح المشكل (٧/ ٢٤٨، ٢٤٩)، وصححه الحاكم (٧١٧٨)، وقال المنذري في الترغيب (٣/ ٢٥١) والهيثمي في المجمع (٨/ ٣٢١): «رجاله ثقات»، وهو في السلسلة الصحيحة (٦٤٠).
وهذا القول أصح الأقوال وأسدُّها، وأوفقها لقواعد الشريعة وأُصولها، وبه تجتمع الأحاديث.
فإنه قد روى أبو داود في «سننه»١ من حديث يوسف بن ماهَك، قال: كنت أكتب لفلان نفقة أيتامٍ كان وَلِيَّهم، فغالطوه بألف درهم، فأدّاها إليهم، فأدركتُ له من أموالهم مثلها، فقلت: اقبض الألف الذي ذهبوا به منك، قال: لا، حدّثني أبي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أدِّ الأمانة إلى مَنِ ائتمنك، ولا تخنْ من خانك».
وهذا وإن كان في حكم المنقطع فإن له شاهدًا من وجه آخر، وهو حديث طَلْق بن غَنّام٢. أخبرنا شريك، وقيس، عن أبي حَصِين، عن أبي
(١) سنن أبي داود (٣٥٣٦)، ورواه أيضًا أحمد (٣/ ٤١٤)، والدولابي في الكنى (٣٥٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٧٠) من طريق أبي داود وقال: «هذا الحديث في حكم المنقطع؛ حيث لم يذكر يوسف بن ماهك اسمَ من حدّثه، ولا اسمَ من حدّث عنه من حدثه»، وقال ابن السكن كما في البدر المنير (٧/ ٣٠٠): «رُوِي من أوجه ثابتة».
(٢) رواه الدارمي (٢٥٩٧)، وأبو داود (٣٥٣٧)، والترمذي (١٢٦٤)، والطحاوي في شرح المشكل (٥/ ٩١، ٩٢)، والطبراني في الأوسط (٣٥٩٥)، والدارقطني (٣/ ٣٥)، والبيهقي (١٠/ ٢٧١) وقال: «قيس ضعيف، وشريك لم يحتجّ به أكثر أهل العلم بالحديث، وإنما ذكره مسلم في الشواهد»، ونَقَل عن الشافعي قوله: «ليس بثابت عند أهل الحديث»، ونُقِل عن أحمد أنه قال: «هذا حديث باطل، لا أعرفه عن النبي ﷺ من وجهٍ صحيح»، واستنكره أبو حاتم كما في العلل (١/ ٣٧٥)، وضعفه ابن حزم في المحلى (٨/ ١٨٢)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٥٩٣)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (١٣١٤)، وقال الترمذي: «حسن غريب»، وصححه الحاكم (٢٢٩٦)، وابن دقيق العيد في الإلمام (١٠٦٠)، وقواه الذهبي في تلخيص العلل (٥٨١)، والسخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٧٦)، والشوكاني في النيل (٦/ ٢٩)، وهو في السلسلة الصحيحة (٤٢٣). وفي الإرواء (١٥٤٤).