إغاثة اللهفان

قال الترمذي: «هذا الحديث حسن صحيح».

وله شاهد آخر، وهو ما رواه أبو داود١، من حديث بشير٢ بن الخصاصِيَةِ، قال: قلت: يا رسول الله! إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتُم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: «لا».

وله شاهد آخر من حديث بشير هذا أيضًا، قلت: يا رسول الله! إن لنا جيرانًا، لا يَدَعون لنا شاذّة ولا فاذّة إلا أخذوها، فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه؟ فقال: «أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنَك، ولا تخنْ من خانك».

ذكره شيخنا ﵀ في كتاب «إبطال التحليل»٣.

فهذه الآثار مع تعدد طرقها واختلاف مخارجها يَشُدّ بعضها بعضًا، ولا

  1. (١) سنن أبي داود (١٥٨٩) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن رجل يقال له: ديسم عن بشير به، وبهذا الإسناد رواه أحمد (٥/ ٨٣)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ١٠٤)، وهو في مصنف عبد الرزاق (٤/ ١٥)، وحسن إسناده ابن مفلح في الفروع (٤/ ٣٢٧)، لكن ديسم لا يُدرى من هو. وأعِلّ بالوقف، فرواه أحمد (٥/ ٨٣) وأبو داود (١٥٨٨) من طريق حماد بن زيد عن أيوب به فلم يرفعه، وقد ضعّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٢٢٩٦)، والألباني في ضعيف سنن أبي داود (٢٧٧).
  2. (٢) في بعض النسخ: «بشر»، وهو تصحيف.
  3. (٣) ذكره بهذا اللّفظ ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص ١٩٥) وفي المجموع (٣٠/ ٣٧٢)، وعزاه للمسند، ولم أقف عليه فيه ولا في غيره، والذي في المسند (٥/ ٨٣) من طريق حماد عن أيوب عن ديسم قال: قلنا لبشير بن الخصاصية: إنّ لنا جيرةً من بني تميم لا تشذّ لنا قاصية إلا ذهبوا بها، وإنها تخفى لنا من أموالهم أشياء، أفنأخذها؟ قال: لا. وضعفه ابن حزم في المحلى (٨/ ١٨٢).
775

يشبه الأخذُ فيها الأخذَ في الموضعين اللَّذَين أباح رسول الله ﷺ فيهما الأخذ؛ لظهور سبب الحق، فلا يُنسب الآخذ إلى الخيانة، ولا يتطرق إليه تهمة، ولتعسُّر الشكوى في ذلك إلى الحاكم، وإثبات الحق والمطالبة به.

والذين جوَّزوه يقولون: إذا أخذ قدر حقِّه من غير زيادةٍ لم يكن ذلك خيانة؛ فإن الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه.

وهذا ضعيف جدًّا؛ فإنه يُبطل فائدة الحديث فإنه قال: «ولا تخن من خانك»، فجعل مقابلته له خيانة، ونهاه عنها، فالحديث نص بعد صحته.

فإن قيل: فهلَّا جعلتموه مستوفيًا لحقّه بنفسه إذ عَجَزَ عن استيفائه بالحاكم، كالمغصوب مالُه، إذا رآه في يد الغاصب، وقَدَر على أخذه منه قهرًا، فهل تقولون: إنه لا يحل له أخذ عين ماله، وهو يشاهده في يد الظالم المعتدي، ولا يحلّ له إخراجه من داره وأرضه؟

وكذلك إذا غصب زوجته، وحال بينه وبينها، وعقد عليها ظاهرًا، بحيث لا يُتَّهم، فهل يحرم على الزوج الأول انتزاع زوجته منه خشيةَ التهمة؟

وهذا لا تقولونه أنتم، ولا أحد من أهل العلم.

ولهذا قال الشافعي١ وقد ذكر حديث هِنْدٍ٢: «وإذا دلَّت السنة وإجماع كثير من أهل العلم على أن يأخذ الرجل حقه لنفسه سرًّا، فقد دل أن ذلك ليس بخيانة. الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه».

فالجواب: أنا نقول: يجوز له أن يستوفي قدر حقِّه، لكن بطريق مباح،

  1. (١) في كتاب الأم (٦/ ٢٧٠).
  2. (٢) تقدم تخريجه.
776

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي