إغاثة اللهفان

وكثير من هؤلاء يجعلون هذا القسم من الدِّين الذي جاءت به الشريعة، وأن الشارع جَوّز لهم التحيُّل بالطرق المتنوعة على إباحة ما حرّمه، وإسقاط ما أوجبه.

فأين حال هؤلاء من حال أولئك؟

ثم إن هذا النوع من الحيل يتضمن نسبةَ الشارع إلى العبث، وشرع ما لا فائدة فيه إلا زيادة الكلفة والعناء؛ فإن حقيقة الأمر عند أرباب الحيل الباطلة: أن تصير العقود الشرعية عبثًا لا فائدة فيها؛ فإنها لا يقصد بها المحتالُ مقاصدها التي شرعت لها، بل لا غَرض له في مقاصدها وحقائقها البتة، وإنما غرضُه التوصُّلُ بها إلى ما هو ممنوع منه، فجعلها سُترةً وجُنَّةً يتستَّر بها من ارتكاب ما نُهي عنه صِرْفًا، فأخرجه في قالب الشرع.

كما أخرجَت الجهمية التعطيلَ: في قالب التنزيه.

وأخرج المنافقون النفاق: في قالب الإحسان والتوفيق والعقل المعيشي.

وأخرج الظّلمةُ الفَجَرة الظلم والعدوان: في قالب السياسة، وعقوبة الجُناة.

وأخرج المكّاسُون أكلَ المكوس: في قالب إعانة المجاهدين، وسَدّ الثغور، وعمارة الحصون.

وأخرج الروافضُ الإلحاد والكفر، والقدح في سادات الصحابة وحزب رسول الله ﷺ، وأوليائه وأنصاره: في قالب محبة أهل البيت، والتعصب لهم، وموالاتهم.

779

وأخرجت المُبَاحيَّة وفَسَقةُ المنتسبين إلى الفقر والتَّصوُّف بدَعهم وشَطْحَهم: في قالب الفقر، والزهد، والأحوال، والمعارف، ومحبة الله، ونحو ذلك.

وأخرجت الاتحادية أعظمَ الكفر [١٠٧ ب] والإلحاد: في قالب التوحيد، وأن الوجود واحد لا اثنان، وهو الله وحده، فليس هاهنا وجودان: خالق ومخلوق، ولا رب وعبد، بل الوجود كُلُّه واحد، وهو حقيقة الرب.

وأخرجت القَدَريةُ إنكار عموم قدرة الله تعالى على جميع الموجودات أفعالها وأعيانها: في قالب العَدْل، وقالوا: لو كان الربّ قادرًا على أفعال عباده لزم أن يكون ظالمًا لهم، فأخرجوا تكذيبهم بالقَدَر: في قالب العدل١.

وأخرجت الجهمية جَحْدهم لصفات كماله سبحانه: في قالب التوحيد، وقالوا: لو كان له سبحانه سَمْع وبصرٌ، وقدرة، وحياة، وإرادة، وكلام يقوم به، لم يكن واحدًا، وكان آلهة متعددة.

وأخرجت الفسقة والذين يتبعون الشهوات الفسوقَ والمعاصي: في قالب الرّجاء وحُسْن الظنّ بالله تعالى، وعدم إساءة الظنّ بعفوه، وقالوا: تجنُّب المعاصي والشهوات إزراءٌ بعفو الله تعالى، وإساءة للظنّ به، ونسبةٌ له إلى خلاف الجود والكرم والعفو.

وأخرجت الخوارج قتال الأئمة، والخروج عليهم بالسيف: في قالب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر.

  1. (١) م: «القدر».
780

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي