إغاثة اللهفان

الحقّ عليه، ومن حرصه عليه: تحيّلَ على ترك الإخراج حرصًا وشُحًّا، فهو فارٌّ من أداء الواجب، ظانًّا أنه يفر من وجوبه عليه، والأول حاصل له دون الثاني.

ونُكْتَةُ الفرق: من جهة الوسيلة والمقصود؛ فإن المحتال على المحرمات وإسقاط الواجبات مقصوده فاسدٌ، ووسيلته باطلة؛ فإنه توسَّل بالشيء إلى غير مقصوده، وتوسل به إلى مقصود محرّم.

فإن الله سبحانه إنما جعل النكاح وسيلة إلى المودّة والرحمة، والمصاهرَة والنسل، وغضّ البصر، وحفظ الفرج، والتمتُّع، والإيواء، وغير ذلك من مقاصد النكاح، والمحلِّل لم يتوسّل به إلى شيء من ذلك، بل إلى تحليل ما حرّمه الله تعالى؛ فإنه سبحانه حرّمها على المطلق ثلاثًا عقوبةً له، فتوسَّل هذا بنكاحها إلى تحليلها له، ولم يتوسّل به إلى ما شُرع له، فكان القصد محرّمًا، والوسيلة باطلة.

وكذلك شرع الله البيع وسيلةً إلى انتفاع المشتري بالعين، والبائع بالثمن، فتوسل به المرابي إلى محض الرّبا، وأتى به لغير مقصوده؛ فإنه لا غرض له في تملُّك تلك العين، ولا الانتفاع بها، وإنما غرضه الربا، فتوصّل إليه بالبيع.

وكذلك شرع سبحانه الأخذ بالشفعة دفعًا للضرر عن الشريك، فتوسَّل المبطل لها بإظهار الصّرْف الذي لا حقيقة له إلى إبطالها، فكانت وسيلةً باطلة، ومقصودُهُ مُحرّمًا.

وكذلك الزكاة فرضها رحمةً منه للمساكين، وطُهْرَةً للأغنياء، فتوسّل المسقط لها إلى إبطال هذا المقصود بإظهار عقدٍ لا حقيقة له من بيع أو هبة.

786

وكذلك القرض شرع الله سبحانه فيه العدل، وأن لا يزداد على مثل ما أقرض، فإذا احتال المقرض على الزيادة فقد احتال على مقصود محرّم بطريق باطلة.

وكذلك بيعُ الثمر قبل بُدُوّ صلاحها باطل؛ لما يُفضي إليه من أكل المال بالباطل، فإذا احتال عليه بأن شَرَطَ القطع ثم تركه حتى يكمل، كان قد احتال على مقصود محرّم بشرط غير مقصود، بل قد علم المتعاقدان وغيرهما أنه لا يقطعه، ولا سيّما إن كان مما لا يُنتفع به قبل الصلاح بوجه، كالتُّوت والفِرْسِكِ، وغيرهما، فاشتراط قطعه خداع مَحْضٌ.

وكذلك سائر الحيل التي تعود على مقصود الشارع وشرعه بالنقض والإبطال؛ غاياتها مُحَرَّمة، ووسائلها باطلة لا حقيقة لها.

وكذلك الفدية والخلع التي شرعها الله ليخلّص كُلَّ واحدٍ من الزوجين من الآخر إذا وقع الشِّقَاقُ بينهما، فجعلوه حيلة للحنث في اليمين، وبقاء النكاح، والله سبحانه إنما شرعه لقطع النكاح، حيث يكون قطعه مصلحة لهما.

وبهذا يتبين لك الفرق بين الحيل التي يُتوصل بها إلى تنفيذ أمر الله سبحانه تعالى ورسوله وإقامة دينه [١٠٩ أ]، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونصر المحق، وكسر المبطل؛ والحيل التي يُتوصل بها إلى خلاف ذلك.

فتحصيل المقاصد المشروعة بالطرق التي جعلت موصلة إليها شيء، وتحصيل المقاصد الفاسدة بالطرق التي شرعت لغيرها شيء آخر.

787

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي