إغاثة اللهفان

الحانث بوقوعه؛ فإنه لا يجدُ فقيهٌ شَمّ رائحة العلم بين البابين والتعليقين فرقًا بوجه من الوجوه.

وإنما لم يأخذ به أحمد؛ لأنه لم يصح عنده إلا من طريق سليمان التيّمي، واعتقد أنه تَفَرّد به، وقد تابعه عليه محمد بن عبد الله الأنصاري، وأشعثُ الحُمراني، ولهذا لمَّا ثبت عند أبي ثور قال به، وظن الإجماع في الحلف بالطلاق على لزومه، فلم يقل به.

الطريق الثالثة: طريق من يقول: ليس الحلفُ بالطلاق شيئًا، وهذا صحيح عن طاوس، وعكرمة.

أما طاوس١ فقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعمر، عن ابن جُريج، عن ابن طاوس، عن أبيه: أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئًا.

وقد ردّ بعضُ المتعصبين لتقليدهم ومذاهبهم هذا النقل، بأن عبد الرزاق ذكره في (باب يمين المُكْرَه)، فحمله على الحلف بالطلاق مُكرَهًا.

وهذا فاسدٌ، فإن الحجة ليست في التّرجمة، [١٠٩ ب] وإنما الاعتبارُ بما يُروَى في أثناء الترجمة، ولا سيَّما المتقدِّمين كابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، ووكيع وغيرهم؛ فإنهم يذكرون في أثناء التراجم آثارًا لا تُطابق الترجمة، وإن كان لها بها نوعُ تعلّقٍ، وهذا في كتبهم لمن تأمّله أكثرُ وأشهر من أن يخفى، وهو في «صحيح البخاري» وغيره، وفى كتب الفقهاء، وسائر المصنّفين.

  1. (١) رواه عبد الرزاق (٦/ ٤٠٦) عن ابن جريج قال: أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه كان يقول: الحلف بالطلاق باطل ليس بشيء، قلت: أكان يراه يمينًا؟ قال: لا أدري. ليس فيه ذكر معمر، وصححه ابن تيمية كما في المجموع (٣٣/ ١٢٧).
790

ثم لو فَهِمَ عبد الرزاق هذا، وأنه في يمين المكَرهِ، لم تكن الحجة في فهمه، بل الأخذُ بروايته، وأيّ فائدةٍ في تخصيص الحلف بالطلاق بذلك؟ بل كل مكره حلف بأيّ يمين كانت فيمينه ليست بشيء.

أما عِكْرمة١ فقال سُنيد بن داود في «تفسيره»: حدثنا عَبّاد بن عَبَّاد المهلَّبي، عن عاصم الأحْوَل، عن عكرمة، في رجل قال لغلامه: إن لم أجْلِدك مئة سَوْطٍ فامرأتي طالقٌ؟ قال: لا يَجلد غلامه، ولا يُطلّق امرأته، هذا من خُطوات الشيطان.

فإذا ضممت هذا الأثر إلى أثر ابن طاوس عن أبيه، إلى أثر ابن عباس فيمن قالت لمملوكها: إن لم أُفرّق بينك وبين امرأتك فكل مملوك لي حُرّ، إلى الآثار المستفيضة عن ابن عباس في الحلف بتحريم الزوجة أنها يمينٌ يُكفّرها: تَبيّن لك ما كان عليه ابنُ عباس وأصحابُه في هذا الباب.

فإذا ضممت ذلك إلى آثار الصحابة في الحلف بالتعليقات كالحج، والصوم، والصدقة، والهَدْي، والمشي إلى مكة حافيًا، ونحو ذلك أنها أيمانٌ مُكفِّرة، تبيّن لك حقيقة ما كان عليه الصحابة في ذلك.

فإذا ضممتَ ذلك إلى القياس الصحيح الذي يستوي فيه حكم الأصل والفرع، تبيّن لك توافُقُ القياس وهذه الآثار.

فإذا ارتفعت درجةً أخرى، ووزَنَت ذلك بالنصوص من القرآن والسنة، تَبيّن لك الراجحُ من المرجوح.

  1. (١) ذكره بهذا الإسناد الذهبي في سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٦)، وقال: «هذا واضح في أنَّ عكرمة كان يرى أن اليمين بالطلاق في الغضب من نزغات الشيطان، فلا يقع بذلك طلاق».
791

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي