إغاثة اللهفان

وقال الروياني: الطلاق لازم لي: صريح، وعدَّ١ ذلك في صرائح الطلاق، ولعل وَجهه غلبةُ استعماله لإرادة الطلاق.

وقال القفّال في «فتاويه»: «ليس بصريح ولا كناية، حتى لا يقعَ به الطلاق وإن نواه؛ لأن الطلاقَ لابُدّ فيه من الإضافة إلى المرأة، ولم يتحقق». هذا لفظه.

وحكى شيخنا هذا القول عن بعض أصحاب أحمد.

فقد صار الخلافُ في هذا الباب في المذاهب الأربعة بنقل أصحابها في كتبهم.

ولهذا التفريق مَأخذ آخر، أحسن من هذا الذي ذكره الشارح، وهو أن الطلاق لا يصح التزامه، وإنما يلتزم التطليق؛ فإن الطلاقَ هو الواقع بالمرأة، وهو اللازم لها، وإنما الذي يلتزمه الرجل هو التطليق، فالطلاقُ لازم لها إذا وَقَع.

وإذا تبين هذا فالتزامُ التطليق لا يوجب وقوعَ الطلاق؛ فإنه لو قال: إن فعلتِ كذا فَعَلَيّ أن أطلقك، أو فَلِلَّه عليّ أن أطلقك، أو فتطليقك لازم لي، أو واجبٌ عليّ، وحيث لم يقع عليه الطلاقُ، فهكذا إذا قال: إن فعلتِ كذا فالطلاق يلزمني؛ لأنه إنما التزم التطليق، ولا يقع بالتزامه.

والموقعون يقولون: هو قد التزم حكم الطلاق، وهو خروج البُضْعِ من ملكه، وإنما يلزمه حكمه إذا وقع، فصارَ هذا الالتزام مستلزمًا لوقوعه.

فقال لهم الآخرون: إنما يلزمه حكُمه إذا أتى بسببه، وهو التطليق،

  1. (١) م: «وغير»، وهو تحريف.
794

فحينئذٍ يلزمُه حكمه، وهو لم يأت بالتطليق مُنجَّزًا بلا ريب، وإنما أتى به مُعلِّقًا له، والتزام التطليق بالتنجيز لا يلزم، فكيف يلزم بالتعليق؟

والمنصف المتبصِّر لا يخفى عليه الصحيح، وبالله التوفيق.

فصل

وممن ذكر الفرقَ بين الطلاق وبين الحلف بالطلاق: القاضي أبو الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الأزدي القرطبي في كتابه «مُفيد الحُكَّام فيما يَعْرِضُ لهم من نوازل الأحكام».

فقال في كتاب الطلاق من ديوانه، وقد ذكر اختلافَ أصحاب مالك في الأيمان اللازمة. ثم قال: «ولا ينبغي أن تُتلقَّى هذه المسألة هكذا تَلقّيًا تقليديًّا؛ إلا أن يُشِمَّها نورُ الفهم ويُوضحها لسانُ البرهان، وأنا أُشير لك إلى نُكتةٍ تَسْعَدُ بالعرض فيها إن شاء الله تعالى.

منها: الفرقُ بين الطلاق إيقاعًا، وبين اليمين بالطلاق، وفى «المدونة» كتابان موضوعان: أحدهما لنفس الطلاق، والثاني للأيمان بالطلاق، ووراء هذا الفنّ فقهٌ على الجملة، وذلك أن الطلاق صورته في الشّرع: حَلٌّ وارِدٌ على عَقْدٍ، واليمين بالطلاق عَقدٌ، فليُفْهم هذا.

وإذا كان عقدًا لم يحصُل منه حَلٌّ، إلا أن يُنْقَل من موضع العقد إلى موضع الحلّ بنية يخرج بها [١١٠ أ] اللفظُ من حقيقة إلى كناية، فقد نَجَمت هذه المسألة في أيام الحجّاج بعد أن استقل الشرع بأصوله وفروعه، وحقائقه ومجازاته في أيمان البيعة، وليس في أيمان الطلاق إلا ما أذكره لك، وذلك أن الطلاق على ضَرْبين: صريح وكناية.

795

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي