إغاثة اللهفان

فحينئذٍ يلزمُه حكمه، وهو لم يأت بالتطليق مُنجَّزًا بلا ريب، وإنما أتى به مُعلِّقًا له، والتزام التطليق بالتنجيز لا يلزم، فكيف يلزم بالتعليق؟

والمنصف المتبصِّر لا يخفى عليه الصحيح، وبالله التوفيق.

فصل

وممن ذكر الفرقَ بين الطلاق وبين الحلف بالطلاق: القاضي أبو الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الأزدي القرطبي في كتابه «مُفيد الحُكَّام فيما يَعْرِضُ لهم من نوازل الأحكام».

فقال في كتاب الطلاق من ديوانه، وقد ذكر اختلافَ أصحاب مالك في الأيمان اللازمة. ثم قال: «ولا ينبغي أن تُتلقَّى هذه المسألة هكذا تَلقّيًا تقليديًّا؛ إلا أن يُشِمَّها نورُ الفهم ويُوضحها لسانُ البرهان، وأنا أُشير لك إلى نُكتةٍ تَسْعَدُ بالعرض فيها إن شاء الله تعالى.

منها: الفرقُ بين الطلاق إيقاعًا، وبين اليمين بالطلاق، وفى «المدونة» كتابان موضوعان: أحدهما لنفس الطلاق، والثاني للأيمان بالطلاق، ووراء هذا الفنّ فقهٌ على الجملة، وذلك أن الطلاق صورته في الشّرع: حَلٌّ وارِدٌ على عَقْدٍ، واليمين بالطلاق عَقدٌ، فليُفْهم هذا.

وإذا كان عقدًا لم يحصُل منه حَلٌّ، إلا أن يُنْقَل من موضع العقد إلى موضع الحلّ بنية يخرج بها [١١٠ أ] اللفظُ من حقيقة إلى كناية، فقد نَجَمت هذه المسألة في أيام الحجّاج بعد أن استقل الشرع بأصوله وفروعه، وحقائقه ومجازاته في أيمان البيعة، وليس في أيمان الطلاق إلا ما أذكره لك، وذلك أن الطلاق على ضَرْبين: صريح وكناية.

795

فالصريح: كل لفظ استقلّ بنفسه في إثبات حُكمه تحديدًا.

والكناية على ضربين: كناية غالبة، وغير غالبة:

فالغالبة: كل ما أشْعَرَ بثبوت الطلاق في موضوع اللغة أو الشرع، كقوله: الحَقي بأهلك، واعْتَدّي.

وغير الغالبة: كل مالا يُشعر بثبوت الطلاق في وَضع اللغة والشرع، كقوله: ناوليني الثوب، وقال: أردتُ بذلك الطلاق.

فإذا عرضنا لفظ الأيمان «يلزمني» على صريح الطلاق لم تكن من قِسْمه، وإن عرضناها على الكناية لم تكن من قسمها إلا بقرينة من شاهد حال، أو جاري عُرفٍ، أو نيَّة تقارن اللفظ، فإن اضطرب شاهدُ الحال، أو جاري العُرْف باحتمال يحتمله، فقد تعذر الوقوف على النية، ولا ينبغي لحاكم ولا لغيره أن يُمدَّ القلم في فتوى حتى يتأمل مثل هذه المعاني؛ فإن الحكم إن لم يقع مُسْتَوضحًا عن نورٍ فكريٍّ مُشْعرٍ بالمعنى المربوط اضمحلّ».

ثم قال: «وأنا ذاكرٌ لك ما بلغني في هذه اليمين من كلام العلماء، ورأيته من أقوال الفقهاء، وهى يمينٌ مُحْدثة، لم تقع في الصدر الأول».

ثم ذكر اختلاف أهل العلم١ في الحلف بالأيمان اللازمة.

والمقصود: أنه ذكر الفرق الفطري العقلي الشرعي بين إيقاع الطلاق، والحلف بالطلاق، وأنهما بابان مفترقان بحقائقهما، ومقاصدهما، وألفاظهما، فيجب افتراقهما حكمًا.

  1. (١) «أهل العلم» ساقطة من م.
796

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي