إغاثة اللهفان

فالصريح: كل لفظ استقلّ بنفسه في إثبات حُكمه تحديدًا.

والكناية على ضربين: كناية غالبة، وغير غالبة:

فالغالبة: كل ما أشْعَرَ بثبوت الطلاق في موضوع اللغة أو الشرع، كقوله: الحَقي بأهلك، واعْتَدّي.

وغير الغالبة: كل مالا يُشعر بثبوت الطلاق في وَضع اللغة والشرع، كقوله: ناوليني الثوب، وقال: أردتُ بذلك الطلاق.

فإذا عرضنا لفظ الأيمان «يلزمني» على صريح الطلاق لم تكن من قِسْمه، وإن عرضناها على الكناية لم تكن من قسمها إلا بقرينة من شاهد حال، أو جاري عُرفٍ، أو نيَّة تقارن اللفظ، فإن اضطرب شاهدُ الحال، أو جاري العُرْف باحتمال يحتمله، فقد تعذر الوقوف على النية، ولا ينبغي لحاكم ولا لغيره أن يُمدَّ القلم في فتوى حتى يتأمل مثل هذه المعاني؛ فإن الحكم إن لم يقع مُسْتَوضحًا عن نورٍ فكريٍّ مُشْعرٍ بالمعنى المربوط اضمحلّ».

ثم قال: «وأنا ذاكرٌ لك ما بلغني في هذه اليمين من كلام العلماء، ورأيته من أقوال الفقهاء، وهى يمينٌ مُحْدثة، لم تقع في الصدر الأول».

ثم ذكر اختلاف أهل العلم١ في الحلف بالأيمان اللازمة.

والمقصود: أنه ذكر الفرق الفطري العقلي الشرعي بين إيقاع الطلاق، والحلف بالطلاق، وأنهما بابان مفترقان بحقائقهما، ومقاصدهما، وألفاظهما، فيجب افتراقهما حكمًا.

  1. (١) «أهل العلم» ساقطة من م.
796

أما افتراقهما بالحقيقة، فما ذكره من أن الطلاق حَلٌّ وفسخ، واليمين عقد والتزام، فهما إذن حقيقتان مختلفتان، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].

ثم أشار إلى الافتراق في الحكم بقوله: «وإذا كانت اليمين عقدًا لم يحصل بها حلّ، إلا أن ينقل من موضع العقد إلى موضع الحلّ، ومن البَيِّن أن الشارع لم ينقلها من العقد إلى الحلّ، فيجب بقاؤها على ما وضعت عليه.

نعم، لو قصد الحالفُ بها إيقاع الطلاق عند الحنثِ فقد استعملها في العقد والحِلّ، فتصيرُ كنايةً في الوقوع، وقد نواه، فيقع به الطلاق؛ لأن هذا العقد صالح للكناية، وقد اقترنت به النية، فيقع الطلاق، أما إذا نوى مُجَرَّد العقد، ولم ينو الطلاق البتة بل هو أكْرَه شيء إليه؛ فلم يأت بما ينقل اليمين من موضوعها الشرعي، ولا نقلها عنها الشارع، فلا يلزمه غير موجب الأيمان».

فليتأمل المُنْصِفُ العالمُ هذا الفرق، ويُخْرِجْ قَلْبَهُ ساعةً من التعصب والتقليد، واتَّباع غير الدليل.

والمقصود أن باب اليمين وباب الإيقاع يختلفان في الحقيقة والقصد واللفظ، فيجب اختلافهما في الحكم:

أما الحقيقة فما تقدم.

وأما القصد فلأن الحالف مقصوده الحض والمنع، والتصديق أو التكذيب، والمطلِّق مقصوده التخلُّص من الزوجة من غير أن يخطر بباله حضّ ولا منع، ولا تصديق ولا تكذيب، فالتسوية بينهما لا يخفى حالها.

797

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي