إغاثة اللهفان

وأما اختلافهما لفظًا فإن لفظ اليمين لا بدَّ فيها من التزام قَسَمِيٍّ يأتي فيه بجواب القسم، أو تعليق شَرْطيٍّ يقصد فيه انتفاء الشرط والجزاء، أو وقوع الجزاء على تقدير وقوع الشرط، وإن كان يكرهه، ويقصد انتفاءه، فالمقدَّمُ في الصورة الأولى مؤخَّر في الثانية، والمنفيُّ في الأولى ثابت في الثانية، ولفظ الإيقاع لا يتضمن شيئًا من ذلك.

ومن تصوَّر هذا حقَّ التصوُّر جزم بالحق في هذه المسألة، والله الموفق.

الطريقة السادسة: أن يزول [١١١ أ] المعنى الذي كانت اليمين لأجله، فإذا فعل المحلوف عليه بعد ذلك لم يحنث؛ لأن امتناعه باليمين إنما كان لِعِلّةٍ، فيزول بزوالها، وهذا مطَّرِدٌ على أصول الشرع، وقواعد مذهب أحمد وغيره، ممن يعتبر النيَّة والقصد في اليمين تعميمًا وتخصيصًا، وإطلاقًا وتقييدًا.

فإذا حلف: لا أكلِّم فلانة، وكان سبب اليمين أو الذي هَيّجَها كونَها أجنبية، يخاف الوقوع في عرضه بكلامها، فتزوجها، لم يحنث بكلامها؛ إعمالًا لسبب اليمين وما هَيّجها في التقييد بكونها أجنبية، هذا إذا لم تكن له نِيّةٌ، فإن كانت له نيَّة ما دامت كذلك فلا إشكال في تقييد اليمين بها.

ونظيره: أن يحلف: لا يكلِّم فلانًا، ولا يعاشره؛ لكونه صبيًّا، فصار رجلًا، وكانت نيَّته وسبب يمينه لأجل صباه.

ونظيره: أن يحلف: لا دخلت هذه الدار؛ لأجل مَنْ يَظُنّ به التهمة لدخولها، فمات أو سافر، فدخلها، لم يحنث.

وبذلك أفتى أبو حنيفة وأبو يوسف: من حلف: لا دخلت دار فلان هذه، ولا كلمت عبده هذا، فباع العبدَ والدار.

798

ونظير هذا: أن يحلف أن لا يكلم فلانًا، والحامل له على اليمين كونه تاركًا للصلاة، أو مرابيًا، أو خمَّارًا، أو واليًا، فتابَ من ذلك كله، وزالت الصفة التي حلف لأجلها، لم يحنث بكلامه.

وكذلك إذا حلف: لا تزوجت فلانة، والحامل له على اليمين صفة فيها، مثل كونها بغيًا أو غير ذلك، فزالت تلك الصفة، لم يحنث بتزوُّجها.

كل هذا مراعاة للمقاصد التي الألفاظ دالَّةٌ عليها، فإذا ظهر القصد كان هو المعتبر.

ولهذا لو حلف: لَيَقْضِيَنّه حقَّه في غدٍ، وقَصْدُه أو السببُ: أن لا يجاوزه، فقضاه قبله، لم يحنث.

ولو حلف: لا يبيع عبده إلا بألف، فباعه بأكثر، لم يحنث.

ولو حلف: أن لا يخرج من البلد إلا بإذن الوالي، والنية أو السبب: يقتضي التقييد مادام كذلك، فإذا عُزل لم يحنث بالخروج بغير إذنه.

وكذلك لو حلف على زوجته، أو عبده، أو أمته أن لا تخرج إلا بإذنه، فطلّق، أو أعتق، أو باع، لم يحنث بخروجهم بغير إذنه؛ لأن اقتضاء السبب والقصد للتقييد في غاية الظهور.

ونظائر ذلك كثيرة جدًّا.

وسائر الفقهاء يعتبرون ذلك، وإن خالفوه في كثير من المواضع.

وهذا هو الصواب؛ لأن الألفاظ إنما اعتبرت لدلالتها على المقاصد، فإذا ظهر القصد كان الاعتبار له، وتقيَّد اللفظ به.

ولهذا لو دُعي إلى غداء، فحلف: لا يتغدّى، تقيدت يمينه بذلك الغداء

799

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي