إغاثة اللهفان

ونظير هذا: أن يحلف أن لا يكلم فلانًا، والحامل له على اليمين كونه تاركًا للصلاة، أو مرابيًا، أو خمَّارًا، أو واليًا، فتابَ من ذلك كله، وزالت الصفة التي حلف لأجلها، لم يحنث بكلامه.

وكذلك إذا حلف: لا تزوجت فلانة، والحامل له على اليمين صفة فيها، مثل كونها بغيًا أو غير ذلك، فزالت تلك الصفة، لم يحنث بتزوُّجها.

كل هذا مراعاة للمقاصد التي الألفاظ دالَّةٌ عليها، فإذا ظهر القصد كان هو المعتبر.

ولهذا لو حلف: لَيَقْضِيَنّه حقَّه في غدٍ، وقَصْدُه أو السببُ: أن لا يجاوزه، فقضاه قبله، لم يحنث.

ولو حلف: لا يبيع عبده إلا بألف، فباعه بأكثر، لم يحنث.

ولو حلف: أن لا يخرج من البلد إلا بإذن الوالي، والنية أو السبب: يقتضي التقييد مادام كذلك، فإذا عُزل لم يحنث بالخروج بغير إذنه.

وكذلك لو حلف على زوجته، أو عبده، أو أمته أن لا تخرج إلا بإذنه، فطلّق، أو أعتق، أو باع، لم يحنث بخروجهم بغير إذنه؛ لأن اقتضاء السبب والقصد للتقييد في غاية الظهور.

ونظائر ذلك كثيرة جدًّا.

وسائر الفقهاء يعتبرون ذلك، وإن خالفوه في كثير من المواضع.

وهذا هو الصواب؛ لأن الألفاظ إنما اعتبرت لدلالتها على المقاصد، فإذا ظهر القصد كان الاعتبار له، وتقيَّد اللفظ به.

ولهذا لو دُعي إلى غداء، فحلف: لا يتغدّى، تقيدت يمينه بذلك الغداء

799

وحده؛ لأن النية والسبب وبساط١ اليمين لا يقتضي غيره.

وقد أخبر النبي ﷺ أن الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى٢. وما لم ينوِه بيمينه، أو كان السبب لا يقتضيه، لا يجوز أن يُلزَم به، مع القطع بأنه لم يُرِدْهُ، ولا خطر على باله.

وقد أفتى غير واحدٍ من الفقهاء منهم ابن عقيل وشيخنا وغيرهما، فيمن قيل له: إن امرأتك قد خرجت من بيتك، أو قد زنت بفلان، فقال: هي طالق، ثم تبيّن له أنها لم تخرج من البيت، وأن الذي رُميتْ به في بلد بعيد، لا يمكن وصوله إليها، أو أنه حين رميت به كان مَيْتًا، ونحو ذلك مما يعلم به أنها لم تَزْنِ: فإنه لا يقع عليه الطلاق؛ لأنه إنما طلقها بناءً على هذا السبب، فهو كالشرط في طلاقها.

وهذا الذي قالوه هو الذي لا يقتضي المذهب وقواعد الفقه غيره؛ فإنهم قد قالوا: لو قال لها: أنت طالق، وقال: (أردتُ: إن قمتِ)، دُيِّنَ، ولم يقع به الطلاق، فهذا مثله سواءً.

ونظير هذا ما قالوه: إن المكاتب لو أدّى إلى سيده المال، فقال: أنت حُرٌّ، فبان أن المال الذي أعطاه مستَحَقّ أو زُيوف، لم يقع العتق، وإن كان [١١١ ب] قد صرَّح به، ذكره أصحاب أحمد والشافعي؛ لأنه إنما أعتقه بناءً على سلامة العوض، ولم يسلَّم له.

وقواعد الشريعة كلها مبنية على أن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها.

  1. (١) ح: «مناط».
  2. (٢) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) عن عمر بن الخطاب.
800

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي