إغاثة اللهفان

وأمثلة ذلك أكثر من١ أن تحصر.

فهذه الطريقة تخلِّص من كثير من الحنث.

وإذا تأملت هذه الطرق لرأيت أيّتَها سلكت أحسنَ من طرق الحيل التي يتحيَّلون بها على عدم الحنث، وهى أنواع:

أحدها: التسريح.

الثاني: خلع اليمين.

الثالث: التحيُّل لفساد النكاح، إما أن يكون الولي كان قد فعل ما يفسق به، أو الشهود كانوا جلوسًا على مقعد حرير، ونحو ذلك، فيكون النكاح باطلًا، فلا يقع فيه الطلاق.

الرابع: الاحتيال على فعل المحلوف عليه، بتغيير اسمه، أو صفته، أو نقله من مالكٍ إلى مالك، ونحو ذلك.

فإذا غُلبوا عن شيء من هذه الحيل الأربعة فَزِعوا إلى التيس المستعار، فاستأجروه ليَسْفِدَ ويأخذ على سِفاده أجرًا.

فليُوازِن من يعلم أنه موقوف بين يدي الله تعالى ومسؤول: بين هذه الطرق وتلك الطرق التي قبلها، ولْيَقُمْ لله ناظرًا ومناظرًا، مُتجرّدًا من العصبية والحَمِيّة، فإنه لا يكاد يخفى عليه الصواب، وبالله التوفيق.

فصل

وأما قوله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].

  1. (١) «من» ساقطة من م.
801

فمن العجب أن يَحتجّ بهذه الآية مَنْ يقول: إنه لو حلف: ليضربنّه عشرةَ أسواط، فجمعها وضربه بها ضَرْبَةً واحدة لم يَبَرّ في يمينه.

هذا قول أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأصحاب أحمد.

وقال الشافعي: إن علم أنها مَسّته كلُّها برّ في يمينه، وإن علم أنها لم تمسّه لم يبرّ، وإن شكَّ لم يحنث.

ولو كان هذا موجبًا لبِرّ الحالف لسقط عن الزاني والقاذف والشارب بعدد الضرب؛ بأن يَجمع له مئة سوط أو ثمانين، ويضرب بها ضربةً واحدة، وهذا إنما يجزئ في حق١ المريض، كما قال الإمام أحمد في المريض عليه الحدّ: يُضرب بِعِثكالٍ يُسقط عنه الحدّ.

واحتج بما رواه عن أبي أمامة بن سهل، عن سعيد بن سعد بن عُبادة، قال: كان بين أبياتنا رُوَيجلٌ ضعيف مُخْدَجٌ، فلم يَرُعِ الحيَّ إلا وهو على أمةٍ من إمائهم يَخبُثُ بها، قال: فذَكَرَ ذلك سعد بن عبادة لرسول الله ﷺ؟ وكان ذلك الرجل مسلمًا، فقال: «اضربوه حدَّهُ»، فقالوا: يا رسول الله! إنه أضعفُ مما تحسِب، لو ضربناه مئةً قتلناه. فقال: «خذوا له عِثْكالًا فيه مئةُ شِمْراخ، ثم اضربوه ضربةً واحدةً»، ففعلوا٢.

  1. (١) «حق» ساقطة من م.
  2. (٢) رواه أحمد (٥/ ٢٢٢)، والنسائي في الكبرى (٧٣٠٩)، وابن ماجه (٢٥٧٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٠٢٤)، والطبراني في الكبير (٦/ ٦٣)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٣٠)، وغيرهم، وفي إسناده اختلافٌ وعنعنةُ ابنِ إسحاق، ورجّح بعضهم إرساله، وحسنه ابن عبد الهادي في المحرر (١١٤٧) وقال: «لكن فيه اختلاف، وقد روِي مرسلًا»، قال ابن الملقن في البدر المنير (٨/ ٦٢٦): «الظاهر أنَّ هذا الاختلافَ لا يضرّه»، وحسنه ابن حجر في البلوغ (ص ١٥٥)، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٩٨٦).
802

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي