إغاثة اللهفان

وكذلك من استدل بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] على جواز نكاح الزانية قبل التوبة، وصحة نكاح المحلِّل، وصحة نكاح الخامسة في عدة الرابعة، أو نكاح المتعة أو الشغار أو غير ذلك من الأنكحة الباطلة= كان استدلاله باطلًا.

وكذلك من استدل بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] على حِلّ بيع الكلب أو غيره مما اختلف فيه= فاستدلاله باطل؛ فإن الآية لم يُرَدْ بها بيان ذلك، وإنما أريد بها الفرق بين عقد الربا وبين عقد البيع، وأنه سبحانه حَرّم هذا وأباح هذا، فأمَّا أن يُفْهم منه أنه أحلَّ بيع كل شيء فهذا غير صحيح.

وهو بمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] على حل كل مأكولٍ ومشروب.

وبمنزلة الاستدلال بقوله: «من استطاع منكم الباءةَ فليتزوَّجْ»١ على حِلّ الأنكحة المختلف فيها.

وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] على جواز جمع الثلاث ونفوذه، وعلى صحة طلاق المكره والسكران.

وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] على صحة النكاح بلا ولي، أو بلا شهود وغير ذلك من الصور المختلف فيها.

  1. (١) أخرجه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠) عن ابن مسعود.
807

وبمنزلة الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ...﴾ [النساء: ٣] على حِلِّ١ كل نكاح اختلف فيه، فيستدل به على صحة نكاح المتعة، والمحلل، والشغار، والنكاح بلا ولي وبلا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها، ونكاح الزانية، والنكاح المنفيِّ فيه المهرُ، وغير ذلك.

وهذا كله استدلال فاسد في النظر والمناظرة.

ومن العجب أن يُنْكِر مَنْ يسلكه على ابن حَزم استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] على وجوب نفقة الزوجة على زوجها إذا أعسر بالنفقة، وكان لها ما تنفق منه، فإنها وارثة له.

وهذا أصح من تلك الاستدلالات؛ فإنه استدلال بعام لفظًا ومعنى قد عُلّق الحكم فيه بمعنى مقصود يقتضي العموم، وتلك مطلقة لا عموم فيها لفظًا ولا معنى، ولم يقصد بها تلك الصور التي [١١٣ أ] استدلُّوا بها عليها.

إذا عُرف هذا فالاستدلال بقوله: «بعِ الجَمْع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جَنيبًا» لا يدلّ على جواز بيع العِينة بوجه من الوجوه، فمن احتج به على جوازه وصحته فاحتجاجه باطل.

وليس الغالب أن بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشتري، حتى يقال: هذه الصورة غالبة، بل الغالب أنّ من يفعل ذلك يعرضه على أهل السوق عامة، أو حيث يقصد، أو ينادي عليه، وإذا باعه لواحد منهم فقد تكون عنده السلعة التي يريدها، وقد لا تكون.

ومثل هذا: إذا قال الرجل فيه لوكيله: بع هذا القطن، واشترِ بثمنه ثياب

  1. (١) «حل» ساقطة من م.
808

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي