إغاثة اللهفان

عجوز»١؛ وأكثر معاريض السلف كانت من هذا.

فالمعرِّض إنما يقصد باللفظ ما جُعل اللفظ دالًّا عليه، ومثبتًا له في الجملة، فهو لم يخرُج بتعريضه عن حدود الكلام؛ فإن الكلام فيه الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والمطلق والمقيَّد، والمفرد والمشترك، والمتباين والمترادف، وتختلف دلالته تارةً بحسب اللفظ المفرد، وتارةً بحسب التأليف، فأين هذا من الحيل التي يُقصد بالعقد فيها ما لم يُشرَع العقدُ له أصلًا، ولا هو مقتضاه ولا مُوجَبه شرعًا ولا حقيقةً؟

وفرقٌ ثانٍ، وهو أن المعرِّض لو صرّح بقصده لم يكن باطلًا ولا محرّمًا، بخلاف المحتال، فإنه لو صرّح بما قصده بإظهار صورة العقد كان محرّمًا باطلًا؛ فإن المرابي بالحيلة لو قال: بعتك مئة حالّةً بمئة وعشرين إلى سنة

  1. (١) رواه الترمذي في الشمائل (٢٣٠) ــ ومن طريقه البغوي في تفسيره (٨/ ١٤) ـ، والثعلبي في تفسيره (٩/ ٢١٠)، والبيهقي في البعث (٣٤٦)، وغيرهم من طرق عن المبارك بن فضالة عن الحسن مرسلًا. ورواه الطبراني في الأوسط (٥٥٤٥) ــ وعنه أبو نعيم في صفة الجنة (٤٢٢) ــ من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة عن ابن المسيب عن عائشة، قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٧٧٦): «فيه مسعدة بن اليسع وهو ضعيف»، قال الذهبي في الميزان (٤/ ٩٨): «هالك»، وروِي من غير طريقه عن ابن المسيب مرسلًا. ورواه الطبري في تفسيره (١٨/ ٥٤٦) وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٠٧) والبيهقي في البعث (٣٤٣) من طريق ليث عن مجاهد عن عائشة، ورواه غيرهم عن مجاهد أن النبي ﷺ دخل على عائشة وعندها عجوز .. مرسل .. وهو في السلسلة الصحيحة (٢٩٨٧).
813

كان حرامًا باطلًا، وذلك عينُ مقصوده ومقصود الآخر.

وكذلك المُقرِضُ لو قال: أقرضتك ألفًا على أن تُعيدها إليّ، ومعها زيادة كذا وكذا، كان حرامًا باطلًا، وذلك نفسُ مقصوده.

وكذلك المحلِّلُ لو قال: تزوجتها على أن أُحِلّها للمطلّق ثلاثًا.

والمعرِّضُ لو صرح بمقصوده لم يكن حرامًا، فأين أحدهما من الآخر؟

وفرق ثالث، وهو أن المعرِّض قصد بالقول ما يحتمله اللفظ أو يقتضيه، والمحتال قصد بالعقد مالا يحتمله، ولا جُعل مقتضيًا له، لا شرعًا، ولا عرفًا، ولا حقيقةً.

وفرق رابع، وهو أن المعرّض مقصدُه صحيح، ووسيلته جائزة، [١١٤ أ] فلا حَجْر عليه في مقصوده، ولا في توسله إلى مقصوده، بخلاف المحتال؛ فإن قصده أمرٌ محرَّم، ووسيلته باطلة، كما تقدم تقريره.

وفرق خامس، وهو أن التعريض المباح ليس من مخادعة الله سبحانه في شيء، وإنما غايته أنه مخادعة لمخلوقٍ أباح الشارع مخادعته لظلمه، جزاءً له على ذلك، ولا يلزم من جواز مخادعة الظالم جوازُ المُحِقّ، فما كان من التعريض مخالفًا لظاهر اللفظ في نفسه كان قبيحًا إلا عند الحاجة، وما لم يكن كذلك كان جائزًا إلا عند تضمُّن مفسدةٍ.

والذي يدخلُ في الحيل المذمومة إنما هو الأول، فالمعرِّض قاصدٌ لدفع الشر، والمحتالُ بالباطل قاصد لدفع الحق.

والتعريضُ كما يكون بالقول يكون بالفعل، كما يُظهرُ المحاربُ أنه يريد وجهًا من الوجوه، ويسافر إلى تلك الناحية، لِيَحْسِب العدوّ أنه لا يريده، ثم يَكُرّ عليه.

814

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي