إغاثة اللهفان

ومثل أن يَسْتَطرد المبارز بين يدي خصمه ليظنّ هزيمته، ثم يعطفَ عليه.

ومثل أن يظهر ضعفًا وعجزًا يتخلَّص به من تسخيره وأذاه، ونحو ذلك.

وقد يكون التعريض بالقول والفعل معًا، كما قال سليمان ﵇: «ائتوني بالسكين أشُقَّه بينكما»١.

وقد يكون بإظهار الصّمم وأنه لا يسمع، وبإظهار النوم، وإظهار الشّبع، وإظهار الغنى، بحيث يحسبه الجاهل غنيًّا.

وكما يقع الإجمال في الأقوال فكذلك يقعُ في الأفعال، كما أعطى النبي ﷺ عمر ﵁ حُلَّةً من حرير، فلمّا لبسها أنكر عليه، وقال: «لم أُعْطِكَها لتلبسها»، فكساها أخًا له مشركًا بمكة٢.

فكل من الإجمال والاشتراك والاشتباه يقع في الألفاظ تارةً، وفى الأفعال تارةً، وفيهما معًا تارةً.

ومن أنواع التعريض: أن يتكلم المتكلم بكلام حقٍّ، يقصدُ به حقيقته وظاهره، ويوهم السامع نسبته إلى غير قائله؛ ليقبله ولا يَرُدَّه عليه، أو ليتخلَّص به من شرِّه وظلمه، كما أنشد عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه امرأته تلك الأبيات، وأوهمها أنه يقرأ القرآن، فتخلَّص بذلك من شرّها٣.

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٨٨٦)، ومسلم (٢٠٦٨) عن ابن عمر. وقد تقدم تخريجه.
  3. (٣) تقدم تخريجه.
815

وكذلك إذا كان الرجلُ يريد تنفيذ حقٍّ صحيح، ولكن لا يُقبل منه، لكونه هو أو مَنْ لا يُحْسَنُ به الظن قائله، فإذا عَرّض للمخاطب بنسبة الكلام إلى معظّم يقبله منه كان من أحسن التعريض، كما علّمه أبو حنيفة ﵀ أصحابه، حين شكَوْا إليه: إنا نقول لهم: قال أبو حنيفة، فيبادرون بالإنكار، فقال: قولوا لهم المسألة، فإذا استحسنوها ووقعت منهم بموقعٍ فقولوا: هذا قول أبي حنيفة.

وكما يجري لأصحابنا مع الجهمية وفروخهم كثيرًا.

فصل

وأما استدلالهم بأن الله سبحانه علّم نبيَّه يوسف ﵇ الحيلة التي تَوَصَّل بها إلى أخذ أخيه إلى آخره، فهذا قد ظنّ بعض أرباب الحيل أنه حجةٌ لهم في هذا الباب، وليس كما زعموا، والاستدلال بذلك من أبطل الباطل.

فإن المحتجِّين بذلك لا يجوّزون شيئًا مما في هذه القصة البتة، ولا تُجَوّزُها شريعتنا بوجه من الوجوه، فكيف يحتجّ المحتجّ بما يحرم العمل به، ولا يسوّغه بوجهٍ من الوجوه؟

والله سبحانه إنما سَوّغ ذلك لنبيه يوسف ﵇ جزاءً لإخوته، وعقوبةً لهم على ما فعلوا به، ونَصْرًا له عليهم، وتصديقًا لرؤياه، ورفعةً لدرجته ودرجة أبيه صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم.

وبعدُ، ففي قصته مع إخوته ضروبٌ من الحيل المستحسنة:

أحدها: قوله لفتيانه: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا

816

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي