إغاثة اللهفان

وكذلك قال يوسف ﵇ لما عُرض عليه أن يأخذ أحدهم مكان أخيهم: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩]، ولم يقل: [١١٥ ب] أن نأخذ إلا من سرق؛ فإن المتاع كان موجودًا عنده، ولم يكن سارقًا، وهذا من أحسن المعاريض.

وقد قال نصر بن حاجب: سئل سفيان بن عُيينة١ عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله، ويحرف القول فيه ليرضيه؛ أيأثم في ذلك؟ فقال: ألم تسمع قوله ﵊: «ليس بكاذبٍ من أصلح بين الناس، فكذب فيه»٢؟

فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم كان خيرًا من أن يصلح بين الناس بعضهم في بعض، وذلك أنه أراد به مَرْضاة الله، وكراهية أذى المؤمن، ويندم على ما كان منه، ويدفع شرَّه عن نفسه، ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم، ولا طمعًا في شيء يصيب منهم؛ فإنه لم يرخَّص في ذلك، ورخَّص له إذا كره مَوجِدَتَهُمْ وخاف عداوتهم.

قال حُذيفة بن اليمان٣ ﵁: إني أشتري ديني بعضه ببعض؛

  1. (١) ذكره من هذه الطريق ابن تيمية في بيان الدليل (ص ٢٠٩)، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٥٠) بإسناده عن نعيم بن حماد قال: قلت لسفيان بن عيينة: أرأيت الرجل يعتذر إليّ من الشيء عسى أن يكون قد فعله ويحرّف فيه القول ... وذكره.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٢)، ومسلم (٢٦٠٥) عن أم كلثوم بنت عقبة.
  3. (٣) رواه في المخارج في الحيل (ص ٦) من طريق مسعر بن كدام، وابن أبي شيبة (٦/ ٤٧٤) والطبري في تهذيب الآثار (٢٣٨ ــ مسند علي ـ) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٧٩) ــ وعنه ابن عساكر في تاريخه (١٢/ ٢٩٤) ــ من طريق الأعمش، كلاهما عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة عن حذيفة بنحوه وفيه قصّة. ورواه ابن أبي شيبة (٦/ ٤٧٤) وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣١٥) من طريق أبي قلابة عن حذيفة مختصرًا.
823

مخافة أن أتقدم على ما هو أعظم منه.

قال سفيان١: وقال الملكان: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢]، أرَادَا مَعْنَى شيء، ولم يكونا خَصْمَين، فلم يصيرا بذلك كاذبين، وقال إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقال يوسف ﵇: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾، أراد بمعنى أخيهم٢.

فبيّن سفيان أن هذا كله من المعاريض المباحة، مع تسميته كذبًا، وإن لم يكن في الحقيقة كذبًا.

وقد احتج بعضُ الفقهاء بقصة يوسف على أنه يجوز للإنسان التوصّلُ إلى أخذ حقِّه من الغير، بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق.

قال شيخنا٣ ﵀: وهذه الحجة ضعيفة؛ فإن يوسف ﵇ لم يكن يملك حبسَ أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف، حتى يقال: قد اقتصّ منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك، نعم كان تخلّفه عنهم مما يؤذيهم لتأذّي أبيهم، وللميثاق الذي

  1. (١) ذكره بهذا اللفظ ابن تيمية في بيان الدليل (ص ٢١٠)، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٥٠، ٢٥١) بنحوه. وفيه: «وإنما أرادا الخير والمعنى الحسن». وهو أوضح.
  2. (٢) كذا في الأصل. وفي بعض المراجع: «معنى أمرهم».
  3. (٣) في بيان الدليل (ص ٢١١).
824

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي