إغاثة اللهفان

الصحيح الصريح١.

ومنها: حد الصحابة ﵃ في الخمر بالرائحة والقَيْء٢.

ومنها: حَدّ عمر ﵁ في الزنى بالحَبَل، وجعله قَسيم الاعتراف والشهادة٣.

فوجود المسروق مع السارق إن لم يكن أظهر من هذا كله، فليس دونه.

فلما فتَّشوا متاعه فوجدوا فيه الصواع، كان ذلك قائمًا مقام البينة والاعتراف، فلهذا لم يمكنهم أن يتظلَّموا مِنْ أَخْذِهِ، ولو كان هذا ظلمًا لقالوا: كيف يأخذه بغير بيِّنة ولا إقرار؟

وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتاب «الإعلام باتساع طرق الأحكام»٤.

والمقصود: أنه ليس في قصة يوسف ﵇ شبهة، فضلًا عن الحُجَّة لأرباب الحيل.

فإنا إنما تكلّمنا في الحيل التي يفعلها العبد، وحكمها في الإباحة والتحريم، لا فيما يكيد الله ﷾ لعبده، بل في قصة يوسف عليه

  1. (١) وهو حديث سهل بن أبي حثمة الذي أخرجه البخاري (٦٨٩٨)، ومسلم (١٦٦٩).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٥٠٠١)، ومسلم (٨٠١)، وأما بالقيء فأخرجه مسلم (١٧٠٧/ ٣٨).
  3. (٣) أخرجه البخاري (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٣١).
  4. (٤) لعله المطبوع بعنوان «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية»، ففي أوله تفصيل الكلام في هذا الموضوع، وفيه ذكر جميع الطرق التي يحكم بها الحاكم، وقد بلغت ستًّا وعشرين طريقة. ومحتواه مناسب للعنوان المذكور هنا (الإعلام باتساع طرق الأحكام).
833

السلام تنبيه على أن من كاد غيره كيدًا مُحَرَّمًا فإن الله ﷾ لابدَّ أن يكيده، وأنه لا بدَّ أن يكيدَ للمظلوم إذا صبر على كيد كائده، وتلطّف به، فالمؤمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق فإن الله تعالى يكيدُ له، ويَنتصر له، بغير حَوْل منه ولا قوة.

فهذا أحد النوعين من كيده سبحانه لعبده.

النوع الثاني: أن يُلهمه أمرًا مباحًا، أو مستحبًّا، أو واجبًا، يوصله إلى المقصود الحسن، فيكون على هذا إلهامه ليوسف ﵇ أن يفعل ما فعل: هو من كيده سبحانه أيضًا، فيكون قد كاد له نَوْعَي الكيد، ولهذا قال سبحانه: ﴿اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦].

وفى ذلك تنبيه على أن العلم الدقيق بلطيف الحيل الموصلة إلى المقصود الشرعي، الذي يحبُّه الله تعالى ورسوله مِنْ نَصْر دينه، وكَسْر أعدائه، ونصر المحقّ، وقمع المبطل صفةُ مَدْحٍ يَرفعُ الله تعالى بها درجة العبد. كما أن العلم الذي يَخْصِمُ به المبطلَ، ويَدْحَض حجته، صفة مدح يرفعُ الله بها درجة عبده، كما قال سبحانه في قصة إبراهيم ﵇، ومناظرته قومَه، وكَسْر حُجْتهم: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣].

[١١٧ ب] وعلى هذا فيكون من الكيدِ ما هو مشروع، ولكن ليس هو الكيد الذي تُستحَلّ به المحرَّمات، وتسقط به الواجبات، فإن هذا كيدٌ لله تعالى ودينه، فالله سبحانه ودينه هو المَكِيدُ في هذا القسم، فمحالٌ أن يشرع الله سبحانه هذا النوع من الكيد.

834

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي