إغاثة اللهفان

وأيضًا فإن هذا الكيد لا يتمّ إلا بفعلٍ يُقصد به غير مقصوده الشرعي، ومحالٌ أن يشرعَ الله تعالى لعبد أن يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له.

وأيضًا فإن الأمر المشروع هو عامٌّ لا يختص به شخص دون شخص، فالشيء إذا كان مباحًا لشخص كان مباحًا لكلّ من كان حاله مثل حاله، فمن احتال بحيلةٍ فقهيةٍ محرّمة أو مباحة لم يكن له اختصاصٌ بتلك الحيلة، لا بفَهْمها ولا بعِلْمها.

وإنما خاصِّيَّةُ الفقيه إذا حدثت حادثة أن يَتفطّنَ لاندراجها تحت الحكم العامِّ الذي يعلمه هو وغيره، والله سبحانه إنما كاد ليوسف ﵇ كيدًا خاصًّا به، جزاءً له على صبره وإحسانه، وذَكَره في معرض المِنّة عليه، وهذه الأفعال التي فعلها يوسف ﵇ والأفعالُ التي فعلها الله سبحانه له، إذا تأمَّلها اللبيب رآها لا تخرج عن نوعين:

أحدهما: إلهامُ الله سبحانه له فعلًا، كان مباحًا له أن يفعله.

الثاني: فعلٌ من الله سبحانه به، خارج عن مقدور العبد.

وكلا النوعين مباين للحيل المحرَّمة، التي يُحتال بها على إسقاط الواجبات وإباحة المحرمات.

فصل

لعلك تقول: قد أطلتَ الكلام في هذا الفصل جدًّا، وقد كان يكفي الإشارة إليه.

فيقال: بل الأمر أعظم مما ذكرنا، وهو بالإطالة أجدر، فإن بلاء الإسلام ومحنته عظمت من هاتين الطائفتين:

835

أهل المكر والمخادعة والاحتيال في العَمَلِيَّات.

وأهل التحريف والسَّفْسَطَةِ والقَرْمَطة في العِلْميَّات.

فكلُّ فساد في الدين بل والدنيا فمَنْشَؤُه من هاتين الطائفتين. وبالتأويل الباطل قُتل عثمان ﵁، وعاثت الأمَّة في دمائها، وكفّر بعضُها بعضًا، وتفرقت على بِضْع وسبعين فرقةً، فجرى على الإسلام من تأويل هؤلاء وخداع هؤلاء ومكرهم ما جرى، واستولت الطائفتان، وقويت شوكتهما، وعاقبوا من لم يوافقهم وأنكر عليهم، ويأبى الله إلا أن يُقيم لدينه من يَذُبُّ عنه، ويبيِّن أعلامه وحقائقه، لكيلا تبطل حجج الله وبَيّناته على عباده.

فلْنرجع إلى ما نحن بصدده من بيان مكايد الشيطان ومصايده.

فصل

ومن مكايده ومصايده: ما فَتَن به عُشَّاقَ الصور.

وتلك لَعَمْرُ الله الفتنةُ الكبرى، والبَلِيّةُ العظمى، التي استعبدت النفوسَ لغير خَلّاقها، وملّكت القلوبَ لمن يَسُومُها الهَوان من عُشَّاقها، وألقت الحرب بين العشق والتوحيد، ودعت إلى موالاة كل شيطان مَريد١، فَصَيّرت القلب للهوى أسيرًا، وجعلته عليه حاكمًا وأميرًا، فأوسعت القلوب مِحْنة، وملأتها فِتْنة، وحالت بينها وبين رُشدها، وصرفتها عن طريق قصدها، ونادت عليها في سُوقِ الرَّقيق فباعتها بأبخس الأثمان، وأعاضتها بأخسِّ الحظوظ وأدنى المطالب عن المعالي في غُرَف الجِنان، فضلًا عمَّا هو فوق

  1. (١) «مريد» ساقطة من م.
836

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي