إغاثة اللهفان

ذلك من القُرْبِ من الرحمن، فسكنت إلى ذلك المحبوب الخسيس الذي ألَمُها به أضعافُ لَذّتها، ونَيْلُه والوصول إليه أكبر أسباب مضرَّتها، فما أوْشَكَهُ حبيبًا يستحيل عدوًّا عن قريب، ويتبرَّأ منه مُحِبُّه لو أمكنه حتى كأنه لم يكن له بحبيب، وإن تمتّع به في هذه الدار فسوف يجدُ به أعظم الألم بعد حين، لاسيَّما إذا صار ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].

فيا حسرةَ المحبِّ الذي باع نفسه لغير الحبيب [١١٨ أ] الأول بثمن بخس، وشهوة عاجلة، ذهبت لذتها وبقيت تَبِعتها، وانقضت منفعتها وبقيت مضرتها، فذهبت الشهوة وبقيت الشِّقوة، وزالت المسرّة١ وبقيت الحسرة، فوارَحْمتاه لِصَبٍّ جُمعَ له بين الحسرتين: حسرةِ فوت المحبوب الأعلى والنعيم المقيم، وحسرة ما يقاسيه من النَّصَب في العذاب الأليم! فهنالك يعلمُ المخدوعُ أيَّ بضاعة أضاع، وأن من كان مالكَ رِقِّه وقلبه لم يكن يصلح أن يكون له من جملة الخدم والأتباع، وأيّ مصيبة أعظم من مصيبة مَلِكٍ أُنْزِلَ عن سرير ملكه، وجُعل لمن لا يصلح أن يكون مملوكه أسيرًا، وجُعل تحت أوامره ونواهيه مقهورًا، فلو رأيت قلبه وهو في يد محبوبه لرأيته:

كَعُصْفُورَةٍ في كَفِّ طِفْلٍ يَسُومُهَاحِيَاضَ الرَّدَى وَالطِّفْلُ يَلْهُو وَيَلْعَبُ٢
  1. (١) م، ت: «السيرة». والمثبت من باقي النسخ.
  2. (٢) ذكره المؤلف في روضة المحبين (ص ١٦٣)، والداء والدواء (ص ٤٩٣). ونسب البيت إلى ابن الزيات في معجم الشعراء (ص ٣٦٦)، والفتح بن خاقان في الزهرة (ص ٨٥). وهو في اعتلال القلوب (ص ٣١٢) من إنشاد ابن الزيات. وللمجنون في ديوانه (ص ٤٤).
837

ولو شاهدتَ حاله وعَيْشَه لقلت:

وَمَا فِي الأرْضِ أشْقَى مِنْ مُحِبٍّوَإنْ وَجَدَ الْهَوَى حُلْوَ المَذَاقِ
تَرَاهُ بَاكِيًا في كُلِّ حِينٍمَخَافَةَ فُرْقَةٍ أَوْ لاشْتِيَاقِ
فَيَبْكِى إنْ نَأَوْا شوقًا إِلَيْهِمْوَيَبْكِي إنْ دنَوْا خَوْفَ الْفِرَاقِ١

ولو شاهدت نومه وراحته لعلمت أن المحبة والمنام تعاهدا وتحالفا أن ليسا يلتقيان، ولو شاهدت فَيض مدامعه، ولهيب النار في أحشائه لقلت:

سُبْحَانَ رَبِّ الْعَرْشِ مُتْقِنِ صُنْعِهِوَمُؤَلِّفِ الأَضْدَادِ دُونَ تَعاَنُدِ
قَطْرٌ تَوَلَّدَ عَنْ لَهِيبٍ فِي الحَشَامَاءٌ ونارٌ فِي مَحَلٍّ وَاحِدِ٢

ولو شاهدت مسلك الحُبِّ في القلب وتَغَلْغُلَهُ فيه لعلمت أن الحُبَّ ألطفُ مسلكًا فيه من الأرواح في أبدانها.

فهل يليق بالعاقل أن يبيع هذا المُلْكَ المُطَاع لمن يَسُومُهُ سُوءَ العذاب، ويوقعُ بينه وبين وليِّه ومولاه الحقِّ الذي لا غَنَاءَ له عنه ولا بد له منه أعظمَ الحجاب؟

فالمحب بمن أحبه قتيل، وهو له عبد خاضع ذليل، إن دعاه لَبّاه، وإن قيل له: ما تتمنى؟ فهو غاية ما يتمناه، ولا يأنس بغيره ولا يسكن إلى سواه. فحقيق به أن لا يُمَلِّك رِقّه إلا لأجَلِّ حبيب، وأن لا يبيع نصيبه منه بأخسّ نصيب.

  1. (١) كذا في م. وفي بقية النسخ: «حذر الفراق». وسبقت الأبيات.
  2. (٢) لم أجد البيتين فيما بين يدي من المصادر.
838

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي