إغاثة اللهفان

ودَفْعِ مبغوضها بالذات، وأسبابه بالوسيلة، فسَعيه في تحصيل محبوبه لما فيه من اللَّذَّة، وكذلك سَعْيه في دفع مكروهه أيضًا لما له في دفعه من اللذة، كدفع ما يُؤلمه من البَول، والنّجْو، والدم، والقيء، وما يؤلمه من الحَرّ، والبرد، والجوع، والعطش، وغير ذلك.

وإذا علم أن هذا المكروه يُفضي إلى ما يحبُّه يصير محبوبًا له، وإن كان يكرهه، فهو يحبُّه من وجهٍ، ويكرهه من وجه، وكذلك إذا علم أن هذا المحبوب يُفضي إلى ما يكرهه يصير مكروهًا له، وإن كان يحبُّه، فهو يكرهه من وجه، ويحبه من وجه.

فلا يترك الحيُّ ما يحبه ويهواه مع قدرته عليه إلا لما يُحبُّه ويهواه، ولا يرتكب ما يكرهه ويخشاه إلا حِذَارَ وُقوعه فيما يَكرهه ويَخشاه، لكن خاصية العقل أن يترك أدنى المحبوبين وأقلّهما نفعًا لأعلاهما وأعظمهما نفعًا، ويرتكب أدنى المكروهين ضررًا ليتخلص به١ من أشدّهما ضررًا.

فتبيّن بذلك أن المحبة والإرادة أصلٌ للبغض والكراهة، وعِلّةٌ لهما من غير عكسٍ، فكل بُغضٍ فهو لمنافاة البغيضِ للمحبوب، ولولا وجود المحبوب لم يكن البُغض، بخلاف الحبِّ للشيء فإنه قد يكون لنفسه، لا لأجل منافاته للبغيض، وبغض الإنسان لما يضادّ محبوبه مستلزمٌ لمحبته ولضدّه، وكلما كان الحب أقوى كان قوة٢ البغض للمنافي أشدّ.

ولِهذا كان «أوثقُ عُرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله»٣،

  1. (١) «به» ساقطة من م.
  2. (٢) «قوة» ساقطة من م.
  3. (٣) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٦) عن البراء بن عازب، وهو حسن بشواهده.
840

وكان «مَنْ أحَبّ لله، وأبْغَضَ لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان»١.

فإن الإيمان عِلمٌ وعمل، والعمل ثَمرة العلم، وهو نوعان: عملُ القلب حُبًّا وبغضًا، ويترتب عليهما عمل الجوارح فعلًا وتركًا، وهما العطاء والمنع.

فإذا كانت هذه الأصول الأربعة لله تعالى كان صاحبها مستكمل الإيمان، وما نقص منها فكان لغير الله نَقَصَ من إيمانه بحسبه.

فصل

إذا عُرف هذا، فكل حركة في العالم العُلويّ والسُّفْليّ فسببُها المحبة والإرادة، وغايتها المحبة والإرادة.

فإن الحركات ثلاث: إرادية، وطَبْعية، وقَسْريّة.

فإن المتحرك إن كان له شعورٌ بحركته وإرادته لها فحركته إرادية.

وإن لم يكن له شعورٌ بحركته، أو له بها شعورٌ وهو غير مريد لها، فحركته إما على وَفق طبعه، أو على خلافه، فالأولى طبعية، والثانية قَسرية.

وأظهر من هذا أن يقال: مبدأ الحركة إما أن يكون أمرًا مباينًا للمتحرك، أو قوة فيه، فالأول: الحركةُ فيه قسريةٌ، والثاني: إما أن يكون له به شعور أو لا، فالأول: الحركة فيه إراديةٌ، والثاني: طبعيةٌ.

فالحركة متى لازَمَت الشعور والإرادة فهي إرادية، ومتى انتفى عنها

  1. (١) أخرجه أبو داود (٤٦٨١) عن أبي أمامة. وفي إسناده القاسم بن عبد الرحمن، وقد تكلم فيه غير واحد. والحديث حسن بشواهده، انظر السلسلة الصحيحة (٣٨٠).
841

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي