إغاثة اللهفان

وكان «مَنْ أحَبّ لله، وأبْغَضَ لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان»١.

فإن الإيمان عِلمٌ وعمل، والعمل ثَمرة العلم، وهو نوعان: عملُ القلب حُبًّا وبغضًا، ويترتب عليهما عمل الجوارح فعلًا وتركًا، وهما العطاء والمنع.

فإذا كانت هذه الأصول الأربعة لله تعالى كان صاحبها مستكمل الإيمان، وما نقص منها فكان لغير الله نَقَصَ من إيمانه بحسبه.

فصل

إذا عُرف هذا، فكل حركة في العالم العُلويّ والسُّفْليّ فسببُها المحبة والإرادة، وغايتها المحبة والإرادة.

فإن الحركات ثلاث: إرادية، وطَبْعية، وقَسْريّة.

فإن المتحرك إن كان له شعورٌ بحركته وإرادته لها فحركته إرادية.

وإن لم يكن له شعورٌ بحركته، أو له بها شعورٌ وهو غير مريد لها، فحركته إما على وَفق طبعه، أو على خلافه، فالأولى طبعية، والثانية قَسرية.

وأظهر من هذا أن يقال: مبدأ الحركة إما أن يكون أمرًا مباينًا للمتحرك، أو قوة فيه، فالأول: الحركةُ فيه قسريةٌ، والثاني: إما أن يكون له به شعور أو لا، فالأول: الحركة فيه إراديةٌ، والثاني: طبعيةٌ.

فالحركة متى لازَمَت الشعور والإرادة فهي إرادية، ومتى انتفى عنها

  1. (١) أخرجه أبو داود (٤٦٨١) عن أبي أمامة. وفي إسناده القاسم بن عبد الرحمن، وقد تكلم فيه غير واحد. والحديث حسن بشواهده، انظر السلسلة الصحيحة (٣٨٠).
841

الأمران: فإن كانت بقوةٍ في المتحرك فهي الطبعية، وإن كانت من غير قوة في المحرّك فهي القسريّة.

وكل حركة في السماوات والأرض من حركات الأفلاك، والنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والسحاب، والنبات، والحيوان، فهي ناشئة عن الملائكة الموكّلين بالسماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وقال: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤]، وهي الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل ﵈. وأما المكذِّبون للرسل المنكرون للصانع، فيقولون: هي النجوم. وقد أشبعنا الرد على هؤلاء في كتابنا الكبير المسمى بـ «المفتاح»١.

وقد دلّ الكتاب [١١٩ أ] والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكّلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكّل بالجبال ملائكة، ووكّل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكّل بالرحم ملائكة تُدَبّر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكّل بالعبد ملائكة لِحِفظه، وملائكةً لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكّل بالموت ملائكةً، ووكّل بالسؤال في القبر ملائكةً، ووكّل بالأفلاك ملائكة يُحرّكونها، ووكّل بالشمس والقمر ملائكة، ووكّل بالنار وإيقادها ملائكة، وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكّل بالجنة وعمارتها وغراسها وعمل الأنهار فيها٢ ملائكة، فالملائكة أعظم جنود الله تعالى، ومنهم: المرسلات عرفا، والناشرات نشرا، والفارقات فرقا، والملقيات ذكرا، ومنهم: النازعات غرقا، والناشطات نشطا، والسابحات سبحا، فالسابقات

  1. (١) أي مفتاح دار السعادة (٢/ ١٢٥ وما بعدها).
  2. (٢) م: «آلاتها».
842

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي