والمِرّة: واحدة المِرَرِ، وإنما أُريد به ذو مِرّة سَوِيّة، ومنه قول النبي ﷺ: «لا تَحِلّ الصدقة لغنيٍّ، ولا لذي مِرّة سَوِيٍّ»١.
قلت: هذا حجة من قال: المِرَّة القوة في الآية. وهو قول مجاهد٢، وابن زيد٣، وهو قول ضعيف، لأنه قدْ وصفه قبل ذلك بأنه ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾[النجم: ٥].
ولا ريب أن المِرَّة في الحديث هي القوّة، لا المنظر الحسن.
فإما أن يقال: المِرَّة تقال على هذا وعلى هذا، وإما أن يقال وهو الأظهر: إن المِرَّة هي الصحة والسلامة من الآفات والعاهات الظاهرة والباطنة،
(١) رواه الطيالسي (٢٢٧١)، وعبد الرزاق (٤/ ١١٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٤، ٧/ ٣٢٣)، وأحمد (٢/ ١٦٤، ١٩٢)، والدارمي (١٦٣٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٢٩)، وأبو داود (١٦٣٦)، والترمذي (٦٥٢)، والحربي في غريب الحديث (١/ ٨١)، والطحاوي في شرح المعاني (٢٧٦١)، وغيرهم من طريق ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا، وفي لفظ: «لذي مرّة قويّ»، وأُعلَّ بالوقف، قال الترمذي: «حديث حسن»، وتبعه البغوي في شرح السنة (١٥٩٩)، وصححه ابن الجارود (٣٦٣)، والطبري في التهذيب (٧٥٠ - ٧٥٤ ــ الجزء المفقود ـ)، وابن عبد البر في التمهيد (٤/ ١٠٩)، وابن كثير في تفسيره (٧/ ٤٤٤)، وحسنه ابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ٢٣٨)، وهو مخرج في الإرواء (٨٧٧). وفي الباب عن أبي هريرة وجابر وطلحة بن عبيد الله وابن عمر وحبشي بن جنادة وعبد الرحمن بن أبي بكر ورجل من بني هلال وعن رجلين من الصحابة.
(٢) علقه البخاري عنه في كتاب التفسير، باب: تفسير سورة النجم، ووصله الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٩٩) من طريق ابن أبي نجيح عنه، وعزاه في الدر المنثور (٧/ ٦٤٣) للفريابي وعبد بن حميد.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٤٩٩).
وذلك يستلزم كمال الخلقة وحسنها وجمالها، فإن العاهة والآفة إنما تكون من ضعف الخلقة والتركيب، فهي قوة وصحة تتضمن جمالًا وحسنًا، والله تعالى أعلم.
وقالت اليهود للنبي ﷺ: مَنْ صاحبك الذي يأتيك من الملائكة؟ فإنه ليس من نبيٌّ إلا يأتيه مَلَكٌ بالخبر؟ قال: «هو جبريل». قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذاكَ عَدُوُّنا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالنبات والقطْر والرحمة! فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾[البقرة: ٩٧، ٩٨]١.
والمقصود أن الله سبحانه وَكّل بالعالم العُلوي والسفليّ ملائكةً عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام، فهي تُدَبِّر أمر العالم بإذنه ومشيئته وأمره، فلهذا يُضيف التدبير إلى الملائكة تارةً لكونهم هم المباشرين للتدبير،
(١) رواه أحمد (١/ ٢٧٤) ــ ومن طريقه الضياء في المختارة (١٠/ ٦٩) ــ والنسائي في الكبرى (٩٠٧٢) وابن أبي حاتم في تفسيره (٩٥٢) والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٥) ــ وعنه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٠٥) ــ وغيرهم من طريق بكير بن شهاب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال ابن منده في التوحيد (٤٤): «هذا إسناد متصل ورواته مشاهير ثقات». ورواه الطيالسي (٢٧٣١) وابن سعد في الطبقات (١/ ١٧٤ - ١٧٦) وأحمد (١/ ٢٧٨) والطبري في تفسيره (١٦٠٥) والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٤٦) من طريق شهر بن حوشب عن ابن عباس نحوه، وحسنه البوصيري في إتحاف الخيرة (٧/ ٣٤)، وروِي عن شهر مرسلًا. وورد بمعناه من طريق الضحاك عن ابن عباس. وورد هذا السبب أيضًا عن القاسم بن أبي بزّة ومجاهد وقتادة مرسلًا.