إغاثة اللهفان

وليس المقصود بالعبادات والأوامر المشقةَ والكُلْفةَ بالقصد الأول، وإن وقع ذلك ضمنًا وتبعًا في بعضها؛ لأسبابٍ اقتضته لابد منها، هي من لوازم هذه النشأة. فأوامره سبحانه، وحقه الذي أوجبه على عباده، وشرائعه التي شرعها لهم؛ هي قرة العيون ولذة القلوب، ونعيم الأرواح وسرورها، وبه سعادتها وفلاحها، وكمالها في معاشها ومعادها، بل لا سرور لها، ولا فرح، ولا لذة، ولا نعيم في الحقيقة إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ٥٧ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧، ٥٨].

قال أبو سعيد الخدري ﵁: فضلُ الله القرآنُ، ورحمته أن جعلكم من أهله١.

وقال هلال بن يِسَاف: بالإسلام الذي هداكم إليه، وبالقرآن الذي علَّمكم إياه، هو خيرٌ مما تجمعون من الذهب والفضة٢.

وكذلك قال ابنُ عباسٍ والحسن وقتادة: فضله الإسلام، ورحمته القرآن٣.

وقالت طائفة من السلف: فضله القرآن، ورحمته الإسلام.

  1. (١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٠٦).
  2. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٠٦).
  3. (٣) أخرج أقوالهم الطبري في تفسيره (١٥/ ١٠٧).
47

والتحقيق: أن كُلًّا منهما فيه الوصفان [٩ ب] الفضل والرحمة، وهما الأمران اللذان امتنَّ الله بهما على رسوله، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]؛ والله سبحانه إنما رفع من رفع: بالكتاب والإيمان، ووضع من وضع: بعدمهما.

فإن قيل: فقد وقع تسمية ذلك تكليفًا في القرآن كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢].

قيل: نعم، إنما جاء ذلك في جانب النفي، ولم يسمِّ سبحانه أوامره ووصاياه وشرائعه تكليفًا قط، بل سماها روحًا، ونورًا، وشفاءً، وهدًى، ورحمة، وحياة، وعهدًا، ووصية، ونحو ذلك.

الوجه الرابع: أن أفضل نعيم الآخرة وأجَلّه وأعلاه على الإطلاق هو النظر إلى وجه الرب ﷻ، وسماع خطابه، كما في «صحيح مسلم»١ عن صُهَيب، عن النبي ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدًا يريد أن يُنجِزَكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يُبيِّض وجوهَنا؟ ويُثقِّل موازيننا؟ ويُدخِلنا الجنة؟ ويُجِرْنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه». وفى حديث آخر: «فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه»٢.

  1. (١) برقم (١٨١).
  2. (٢) رواه ابن ماجه (١٨٤)، والآجري في التصديق بالنظر (٤٨)، والدارقطني في الرؤية (٦١)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال أبو نعيم: «تفرّد به الفضل الرقاشي، ولم يتابع عليه، وفيه ضعف ولين»، وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٧٥٩): «في إسناده نظر»، وضعفه الهيثمي في المجمع (٧/ ٢١٨)، وهو في ضعيف الترغيب (٢٢٤٤).
48

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي