إغاثة اللهفان

مادام يُعَلِّم الناس الخير، ويُبَشّرونه بكرامة الله تعالى في مَنامه، وعند مَوْته، ويوم بَعْثه، وهم الذين يُزَهّدونه في الدنيا، ويُرغّبونه في الآخرة، وهم الذين يُذَكّرُونه إذا نَسِيَ، وينشطونه إذا كسل، ويثبتونه إذا جزع، وهم الذين يَسْعَون في مصالح دُنياه وآخرته.

فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسُفراؤه بينه وبين عباده، تتنزّل بالأمر من عنده في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر، قد أطّتْ بهم السماوات، وحُقّ لها أن تَئِطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملكٌ قائمٌ، أو راكعٌ، أو ساجدٌ، ويدخل البيت المعمور كلّ يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخرَ ما عليهم.

والقرآن مملوء بذكر الملائكة، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم، كقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٣٠ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٣١ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ٣٢ قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ٣٣ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ...﴾ إلى آخر القصة [البقرة: ٣٠ - ٣٤]، وقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤]، وما بين هاتين السورتين في سور القرآن، بل لا تخلو سورةٌ من سور القرآن عن ذكر الملائكة صريحًا، أو تلويحًا وإشارة.

849

وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فأكثر وأشهر من أن تُذكر.

ولهذا كان الإيمان بالملائكة ﵈ أحدَ الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكُتبه، ورُسُله، واليوم الآخر.

فلنرجع إلى المقصود، وهو أن حركاتِ العالم العُلوي والسفلي بالملائكة.

فالحركات الإرادية كلها تابعةٌ للإرادة التي تُحرك المريد إلى فعل ما يفعله.

والحركة الطبْعيَّة سَببها ما في المتحرك من الميل والطلب بكماله وانتهائه، كحركة النار، وحركة النبات، وحركة الرياح، وكذلك حركة الجسم الثقيل إلى أسفل، فإنه بطبعه يطلب مُسْتَقَرّه من المركز، ما لم يَعُقْه عنه عائقٌ.

وأما الحركة القسرية فكحركته بالقسر إلى العلوّ، فتابعةٌ لإرادة القاسر له، فلم تَبْق حركةٌ أصليةٌ إلا عن الإرادة والمحبة.

فصل

فإذا عُرف ذلك، فالمحبة هي التي تُحَرِّكُ المحبَّ في طلب محبوبه الذي يَكْمُل١ بحصوله له، فتُحرّك مُحِبّ الرحمن، ومُحِبّ القرآن، ومُحب العلم والإيمان، ومحب المتاع والأثمان، ومحب الأوثان والصُّلْبان، ومحب النسوان [١٢٠ ب] والمُرْدان، ومحب الأوطان، ومحبّ الإخوان، فتثير من كل قلبٍ حركةً إلى محبوبه من هذه الأشياء، فيتحركُ عند

  1. (١) في النسخ: «التي تكمل».
850

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي