إغاثة اللهفان

وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فأكثر وأشهر من أن تُذكر.

ولهذا كان الإيمان بالملائكة ﵈ أحدَ الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكُتبه، ورُسُله، واليوم الآخر.

فلنرجع إلى المقصود، وهو أن حركاتِ العالم العُلوي والسفلي بالملائكة.

فالحركات الإرادية كلها تابعةٌ للإرادة التي تُحرك المريد إلى فعل ما يفعله.

والحركة الطبْعيَّة سَببها ما في المتحرك من الميل والطلب بكماله وانتهائه، كحركة النار، وحركة النبات، وحركة الرياح، وكذلك حركة الجسم الثقيل إلى أسفل، فإنه بطبعه يطلب مُسْتَقَرّه من المركز، ما لم يَعُقْه عنه عائقٌ.

وأما الحركة القسرية فكحركته بالقسر إلى العلوّ، فتابعةٌ لإرادة القاسر له، فلم تَبْق حركةٌ أصليةٌ إلا عن الإرادة والمحبة.

فصل

فإذا عُرف ذلك، فالمحبة هي التي تُحَرِّكُ المحبَّ في طلب محبوبه الذي يَكْمُل١ بحصوله له، فتُحرّك مُحِبّ الرحمن، ومُحِبّ القرآن، ومُحب العلم والإيمان، ومحب المتاع والأثمان، ومحب الأوثان والصُّلْبان، ومحب النسوان [١٢٠ ب] والمُرْدان، ومحب الأوطان، ومحبّ الإخوان، فتثير من كل قلبٍ حركةً إلى محبوبه من هذه الأشياء، فيتحركُ عند

  1. (١) في النسخ: «التي تكمل».
850

ذكر محبوبه منها دون غيره، ولهذا تجدُ محبّ النسوان والصبيان، ومحبّ قُرآن الشيطان بالأصوات والألحان، لا يتحرّك عند سماع العلم وشواهد الإيمان، ولا عند تلاوة القرآن، حتى إذا ذُكِرَ له محبوبه اهتزّ له ورَبَا، وتَحرّك باطنه وظاهره شوقًا إليه، وطربًا لذكره.

فكل هذه المَحَابِّ باطلة مُضْمَحِلّة، سوى مَحبة الله وما والاها من مَحبة رسوله، وكتابه، ودينه، وأوليائه، فهذه المحبة تدوم، وتدوم ثمرتُها ونعيمها بدوام مَنْ تَعَلّقت به، وفَضْلُها على سائر المحابّ كفضل مَنْ تَعَلّقت به على ما سواه، وإذا انقطعتْ علائق المحبِّين، وأسبابُ توادّهم ومحابّهم، لم تَنْقَطع أسبابُها، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦].

قال عطاء، عن ابن عباس١ ﵄: المودّة.

وقال مُجاهد٢: تواصلهم في الدنيا.

وقال الضّحَّاك٣: يعني: تَقطّعتْ بهم الأرحام، وتَفَرّقت بهم المنازل في النار.

  1. (١) رواه الطبري في تفسيره (٢٤٢٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٩٢)، وصحّحه الحاكم (٣٠٧٦)، وعزاه في الدر المنثور (١/ ٤٠٢) لعبد بن حميد وابن المنذر، وضعف إسناده ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٩٣).
  2. (٢) رواه سعيد بن منصور في السنن (٢/ ٦٤١)، والطبري في تفسيره (٢٤١٧ - ٢٤١٩، ٢٤٢٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٩٣)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٨٥)، والخطيب في تاريخه (١٤/ ٨)، وعزاه في الدر المنثور (١/ ٤٠٢) لوكيع وعبد بن حميد.
  3. (٣) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٩٥) من طريق جويبر عن الضحاك.
851

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي