إغاثة اللهفان

جده، عن النبي ﷺ قال: «دعوة يونس إذ نادى في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك! إني كنت من الظالمين، فإنه لم يَدْعُ بها مسلم في شيء إلا استُجيب له».

وفى «مسند الإمام أحمد»١ مرفوعًا: «دعوات المكروب: اللهم! رحمتَكَ أرجو، فلا تَكِلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت».

فالتوحيد ملجأ الطالبين، ومفزع الهاربين، ونجاة المكروبين، وغياث الملهوفين، وحقيقته إفراد الرب سبحانه بالمحبة والإجلال والتعظيم، والذل والخضوع.

  1. (١) مسند أحمد (٥/ ٤٢) من حديث أبي بكرة ﵁، ورواه أيضًا الطيالسي (٨٦٩)، وابن أبي شيبة (٦/ ٢٠)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٠١)، وأبو داود (٥٠٩٢)، والنسائي في الكبرى (١٠٤٨٧)، والطبراني في الدعاء (١٠٣٢)، وغيرهم، وصححه ابن حبان (٩٧٠)، وحسنه الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٩٧)، والألباني في الإرواء (٣/ ٣٥٧).
856

فصل

فإذا عُرف أن كل حركة أصلها الحب والإرادة، فلا بد من محبوب مراد لنفسه، لا يُطلب ويُحَبُّ لغيره، إذ لو كان كل محبوب يُحَبُّ لغيره لزم الدور أو التسلسل في العلل والغايات، وهو باطل باتفاق العقلاء.

والشيء قد يُحَبُّ من وجه دون وجه، وليس شيءٌ يُحَبُّ لذاته من كل وجه إلا الله ﷿ وحده، الذي لا تصلح الألوهية إلّا له، فلو كان في السماوات والأرض آلهة إلا الله فسدتا.

والإلهية التي دعت الرسلُ أُمَمَهم إلى توحيد الرَّبِّ بها: هي العبادة والتألُّه.

ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذي أقَرّ به المشركون، فاحتجَّ الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرارُ بتوحيد الإلهية.

فصل

وكل حيٍّ فله إرادة وعمل بحسبه، وكل متحرك فله غاية يتحرك إليها، ولا صلاح له إلا أن تكون غاية حركته ونهاية مطلبه هو الله وحده، كما لا وجود له إلا أن يكون الله وحده هو ربَّه وخالقه، فوجوده بالله وحده، وكماله أن يكون لله وحده، فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم، ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ولم يقل: لعُدمتا، إذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد، لكن لا يمكن أن تكونا صالحتين إلا بأن يكون فاطرُهما وخالقُهما هو المعبودَ وحده لا شريك له، فإن صلاح الأعمال والحركات بصلاح نيَّاتها ومقاصدها، فكلُّ عمل فهو تابع لنيَّة عامله وقصده وإرادته.

857

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي