قال: «إن الله خلق خَلْقه في ظلمةٍ، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدَى، ومن أخطأه ضَلّ».
فالنفس تَهْوَى ما يضرُّها ولا ينفعها، لجهلها بمضرَّته لها تارة، ولفساد قصدها تارة، ولمجموعهما تارة، وقد ذَمّ الله تعالى في كتابه مَنْ أجاب داعيَ الجهل والظلم، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[القصص: ٥٠]، وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾[النجم: ٢٣].
فأصلُ كل خير هو العلمُ والعدلُ، وأصلُ كل شرٍّ هو الجهلُ والظلم.
وقد جعل الله سبحانه للعدْلِ المأمور به حَدًّا، فمن تجاوزه كان ظالمًا معتديًا، وله من الذمّ والعقوبة بحسب ظلمه وعدوانه الذي خرج به عن العدل، ولهذا قال ﷾: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[الأعراف: ٣١]، وقال فيمن ابتغى سوى زوجته أو ملك يمينه: ﴿فَمَنِ
والمقصود أن محبة الظلم والعدوان سببها فسادُ العلم، أو فساد القصد، أو فسادهما جميعًا.
وقد قيل: إن فساد القَصْدِ من فساد العلم، وإلا فلو عَلِمَ ما في الضارّ من المضرّة ولوازمها حقيقةَ العلم لما آثره، ولهذا مَن علم مِنْ طعامٍ شَهِيٍّ لذيذ أنه مسموم فإنه لا يُقْدِمُ عليه، فضعْفُ علمه بما في الضارِّ من وجوه المضرة، وضعفُ عَزمه على اجتنابه يوقعه في ارتكابه، ولهذا كان الإيمان الحقيقي هو الذي يحمل صاحبه على فعل ما ينفعه، وترك ما يَضُرُّهُ، فإذا لم يفعل هذا ولم يترك هذا، لم يكن إيمانه على الحقيقة، وإنما معه من الإيمان بحسب ذلك.
فإن المؤمن بالنار حقيقةَ الإيمان حتى كأنه يراها، لا يسلك طريقها الموصلة إليها، فضلًا عن أن يسعى فيها بجهده.
والمؤمن بالجنة حقيقةَ الإيمان لا تطاوعه نفسُه أن يقعدَ عن طلبها، وهذا أمر يجدُه الإنسانُ في نفسه فيما يسعى فيه في الدنيا من المنافع، أو التخلُّص منه من المضارّ.
فصل
إذا تبيَّن هذا، فالعبدُ أحوجُ شيء إلى معرفة ما يَضُرّه ليجتنبه، وما يَنفَعُه ليحرصَ عليه ويفعله، فيُحبّ النافع، [١٢٢ أ] ويُبْغضَ الضارّ، فتكون محبته وكراهته موافقتين لمحبة الله تعالى وكراهته، وهذا من لوازم العبودية