إغاثة اللهفان

فهذه ستة أنواع، عليها مدار محابِّ الخلق:

فمحبة الله ﷿: أصل المحابِّ المحمودة، وأصل الإيمان والتوحيد، والنوعان الآخران تَبَعٌ لها.

والمحبة مع الله: أصل الشرك والمحابِّ المذمومة، والنوعان الآخران تبع لها.

ومحبة الصور المحرمة وعشقها من موجِبات الشرك، وكلَّما كان العبد أقربَ إلى الشرك وأبعد من الإخلاص كانت محبَّتُه بعشق الصور أشدَّ، وكلَّما كان أكثر إخلاصًا وأشدَّ توحيدًا كان أبعدَ من عشق الصور.

ولهذا أصاب امرأة العزيز ما أصابها من العشق لشركها، ونجا منه يوسف الصديق ﵇ بإخلاصه.

قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].

فالسوء: العشق، والفحشاء: الزنى.

فالمخلص قد خلَّص حبه لله، فخَلَصَ من فتنة عشق الصور.

والمشرك قلبه معلَّق بغير الله، لم يُخلِص توحيده وحبَّه لله ﷿.

فصل

ومن أبلغ كيد الشيطان وسُخْريته بالمفتونين بالصور: أنه يُمَنّي أحدهم أنه إنما يحب ذلك الأمْرَدَ أو تلك المرأة الأجنبية لله تعالى، لا لفاحشة، ويأمره بمواخاته.

866

وهذا من جنس المخادنة، بل هو مخادنة باطنة، كذوات الأخدان اللاتي قال الله تعالى فيهن: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، وقال في حق الرجال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥]، فيُظهرون للناس أن محبتهم تلك الصورة لله تعالى، ويُبطنون اتخاذها خِدنًا! يتلذذون بها فعلًا، أو تقبيلًا، أو تمتُّعًا بمجرد النظر والمحادثة والمعاشرة.

واعتقادهم أن هذا لله وأنه قربة وطاعة: هو من أعظم الضلال والغَيّ وتبديل الدين، حيث جعلوا ما كرهه الله سبحانه محبوبًا له، وذلك [١٢٣ أ] من نوع الشرك، والمحبوبُ المُتَّخَذُ من دون الله طاغوتٌ، فإن اعتقاد كون التمتع بالمحبة والنظر والمخادنة وبعض المباشرة لله وأنه حُبٌّ فيه: كفر وشرك، كاعتقاد مُحِبّي الأوثان في أوثانهم.

وقد يبلغ الجهل بكثير من هؤلاء إلى أن يعتقد أن التعاون على الفاحشة تعاونٌ على الخير والبر، وأن الجالب محسن إلى العاشق، جدير بالثواب، وأنه ساعٍ في دوائه وشفائه، وتفريج كرب العشق عنه، وأن «من نَفّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدنيا نَفّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة»١.

فصل

ثم هُمْ بعد هذا الضلال والغيّ أربعة أقسام:

قوم يعتقدون أن هذا لله، وهذا كثير في طوائف العامة، والمنتسبين إلى الفقر والتصوف، وكثير من الأتراك.

  1. (١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (٢٦٩٩) عن أبي هريرة.
867

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي