إغاثة اللهفان

ويُقرّهما الحاضرون على ذلك، ويضحكون منه، ويُعجِبهم مثل ذلك المزاح والنكاح.

وربما يقول بعض زنادقة هؤلاء: الأمرد حبيب الله، والملتحي عدو الله، وربما اعتقد كثير من المردان أن هذا صحيح، وأنه مراد بقوله: «إذا أحب الله العبد نادى: يا جبريل! إني أحب فلانًا ...» الحديث١، وأنه توضع له المحبة في الأرض، فيعجبه أن يُحَبّ، ويفتخر بذلك بين الناس، ويعجبه أن يقال: هو معشوق، أو حُظْوة البلد، وأن الناس يتغايرون على محبته ونحو ذلك.

وقد آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ترجيح وطء المُرْدان على نكاح النسوان، وقالوا: هو أسلم من الحَبَل والولادة، ومَؤُونة النكاح، والشكوى إلى القاضي، وفرض النفقة، والحبس على الحقوق.

وربما قال بعضهم: إن جماع النساء يأخذ من القوة أكثر مما يأخذ جماع الصبيان، لأن الفرج [١٢٣ ب] يجذب من القوة والماء أكثر مما يجذب المحل الآخر بحكم الطبيعة.

وقسّمت هذه الطائفة المفعولَ به إلى ثلاثة أقسام: مؤاجر، ومملوك، ومعشوق خاص.

فالأول: إزاء البغايا المؤجِّرات أنفسهن.

والثاني: بإزاء الأمة والسُّرِّيَّة.

والثالث: بإزاء الزوجة، أو الأجنبية المعشوقة.

  1. (١) أخرجه البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧) عن أبي هريرة.
869

وتعوض كلٌّ منهم بقسم عن نظيره من الإناث، وربما فضَّل بعضهم اتخاذ المردان واستفراشهم على النساء من وجوه. وهذا مضادَّة ومحادَّة لله، ودينه، وكتبه، ورسله.

وصنَّف بعضهم كتابًا في هذا الباب، وقال في أثنائه: «باب في المذهب المالكي»، وذكر فيه الجماع في الدُبُر من الذكور والإناث.

وقد عُلِم أن مالكًا رحمه الله تعالى من أشدِّ الناس وأشدِّهم مذهبًا في هذا الباب، حتى إنه يوجب قتل اللوطي حدًّا، بكرًا كان أو ثيبًا، وقوله في ذلك هو أصح المذاهب، كما دلت عليه النصوص، واتفق عليه أصحاب رسول الله ﷺ، وإن اختلفت أقوالهم في كيفية قتله، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

وسبب غلط هذا وأمثاله: أنه قد نُسب إلى مالك رحمه الله تعالى القول بجواز وطء الرجل امرأته في دبرها. وهو كذب على مالك وعلى أصحابه، فكتبهم كلها مصرحة بتحريمه.

ثم لما استقر عند هؤلاء أن مالكًا يبيح ذلك، نقلوا الإباحة من الإناث إلى الذكور، وجعلوا الباب بابًا واحدًا. وهذا كفر وزندقة من قائله بإجماع الأمة.

ونظير هذا: ما يتوهَّمه كثير من الفسقة وجُهَّال التُّرْك وغيرهم: أن مذهب أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن هذا ليس من الكبائر، وغايته أن تكون صغيرة من الصغائر.

وهذا من أعظم الكذب والبَهْت على الأئمة، فقد أعاذ الله أبا حنيفة وأصحابه من ذلك.

870

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي