إغاثة اللهفان

وتعوض كلٌّ منهم بقسم عن نظيره من الإناث، وربما فضَّل بعضهم اتخاذ المردان واستفراشهم على النساء من وجوه. وهذا مضادَّة ومحادَّة لله، ودينه، وكتبه، ورسله.

وصنَّف بعضهم كتابًا في هذا الباب، وقال في أثنائه: «باب في المذهب المالكي»، وذكر فيه الجماع في الدُبُر من الذكور والإناث.

وقد عُلِم أن مالكًا رحمه الله تعالى من أشدِّ الناس وأشدِّهم مذهبًا في هذا الباب، حتى إنه يوجب قتل اللوطي حدًّا، بكرًا كان أو ثيبًا، وقوله في ذلك هو أصح المذاهب، كما دلت عليه النصوص، واتفق عليه أصحاب رسول الله ﷺ، وإن اختلفت أقوالهم في كيفية قتله، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

وسبب غلط هذا وأمثاله: أنه قد نُسب إلى مالك رحمه الله تعالى القول بجواز وطء الرجل امرأته في دبرها. وهو كذب على مالك وعلى أصحابه، فكتبهم كلها مصرحة بتحريمه.

ثم لما استقر عند هؤلاء أن مالكًا يبيح ذلك، نقلوا الإباحة من الإناث إلى الذكور، وجعلوا الباب بابًا واحدًا. وهذا كفر وزندقة من قائله بإجماع الأمة.

ونظير هذا: ما يتوهَّمه كثير من الفسقة وجُهَّال التُّرْك وغيرهم: أن مذهب أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن هذا ليس من الكبائر، وغايته أن تكون صغيرة من الصغائر.

وهذا من أعظم الكذب والبَهْت على الأئمة، فقد أعاذ الله أبا حنيفة وأصحابه من ذلك.

870

وشبهة هؤلاء الفسقة الجهلة: أنهم لمَّا رأوا أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم يوجب فيه الحدّ، ركّبوا على ذلك أنه ليس من كبائر الذنوب، بل من صغائرها، وهذا ظن كاذب، فإن أبا حنيفة لم يُسقط فيه الحدّ لخفَّة أمره، وإن جُرْمه عنده وعند جميع أهل الإسلام أعظم من جرم الزنى، ولهذا عاقب الله سبحانه أهله بما لم يعاقب به أمّة من الأمم، وجمع عليهم من أنواع العذاب ما لم يجمعه على غيرهم.

وشبهة من أسقط فيه الحد: أن فُحش هذا مركوز في طباع الأمم، فاكتُفِيَ فيه بالوازع الطَّبْعي، كما اكتُفِيَ بذلك في أكل الرّجيع وشرب البول والدم، ورُتب الحدّ على شرب الخمر، لكونه مما تدعو إليه النفوس.

والجمهور يجيبون عن هذا: بأن في النفوس الخبيثة المتعدية حدود الله أقوى الداعي لذلك، فالحدّ فيه أولى من الحدّ في الزنى، ولذلك وجب الحدّ على من وطئ أمه وابنته وخالته وجَدّته، وإن كان في النفوس وازعٌ وزاجر طَبْعي عن ذلك، بل حَدُّ هذا: القتل بكل حال، بِكْرًا كان أو مُحْصَنًا، في أصح الأقوال، وهو مذهب أحمد وغيره.

هذا، ونُفْرة النفوس عن ذلك أعظم بكثير من نُفرتها عن المُرْدان.

ونظيرُ هذا الظنّ الكاذب، والغلطِ الفاحش: ظنّ كثير من الجهال أن الفاحشة بالمملوك كالمباحة أو مباحةٌ، أو أنها أيسَرُ من ارتكابها من الحرّ، وتأولتْ هذه الفرقةُ القرآن على ذلك، وأدخلت المملوك في قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦]، حتى إن بعض النساء لتُمَكِّنُ عَبْدَها من نَفْسِها، وتتأولُ القرآن على ذلك، كما رُفع إلى عمر بن الخطاب ﵁ امرأةٌ تزوّجت عبدَها، وتأوّلت هذه الآية،

871

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي