قال شيخنا ﵀: وحَكى لي مَن أثق به أن بعض هؤلاء أخُذِ على هذه الفاحشة، فحُكم عليه بالحدِّ، فقال: والله هو ارتضى بذلك، وما أكرهته ولا غصبته، فكيف أعاقب؟ فقال نصير المشركين وكان حاضرًا: هذا حكم محمد بن عبد الله! وليس لهؤلاء ذنبٌ!
ومن هؤلاء مَنْ يعتقد أن العشق إذا بلغ بالعاشق إلى حدٍّ يخافُ معه التَّلَف، أُبيح له وطء معشوقه للضرورة، وحفظ النفس، كما يباح له الدمُ والميتةُ ولحم الخنزير في المخمصة.
وقد يُبيح هؤلاء شربَ الخمر على وجه التدواي وحفظ الصحة، إذا سلم من مَعَرّة السكر.
ولا ريب أن الكفر والفسوق والمعاصي درجات، كما أن الإيمان والعمل الصالح درجات، كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾[آل عمران: ١٦٣]، وقال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾[الأنعام: ١٣٢]، وقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾[التوبة: ٣٧]، وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ١٢٤ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ [١٢٤ ب] رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾[التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، ونظائره في القرآن كثيرة.
ومن أخف هؤلاء جُرمًا: مَن يرتكب ذلك معتقدًا تحريمه، وأنه إذا قضى حاجته قال: أستغفر الله!
فكأنّ ما كان لم يكن! فقد تلاعب الشيطان بأكثر هذا الخلق، كتلاعب الصبيان بالكُرة، وأخرج لهم أنواع الكفر والفسوق والعصيان في كل قالب.
وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتةٌ بحسب مفاسدها:
فالمتخذ خِدْنًا من النساء، والمتخذة خِدنًا من الرجال: أقلّ شرًّا من المسافح والمسافحة مع كل أحد.
والمستخفي بما يرتكبه أقل إثمًا من المجاهر المُسْتَعْلِن.
والكاتم له أقلّ إثمًا من المخبر به، المحدّث للناس به، فهذا بعيدٌ من عافية الله تعالى وعفوه، كما قال النبي ﷺ: «كلُّ أمتي معافًى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يستر الله تعالى عليه، ثم يُصبح يكشف سِتر الله عنه، يقول: يا فلان! فعلتُ البارحة كذا وكذا، فيبيت ربُّه يستره، ويُصبح يكشف سِتر الله عن نفسه»١ أو كما قال.
وفي الحديث الآخر عنه ﷺ: «من ابتُلي من هذه القاذورات بشيء فليَسْتَتِرْ بستر الله، فإنه مَنْ يُبدِ لنا صَفحته نُقِمْ عليه كتاب الله»٢.
(١) أخرجه البخاري (٦٠٦٩)، ومسلم (٢٩٩٠) عن أبي هريرة.
(٢) رواه الطحاوي في شرح المشكل (٩١) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٤٨) والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣٣٠) من طرق عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر بنحوه مرفوعًا، وروِي عن عبد الله بن دينار مرسلا، قال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٨٦): «هو أشبهها بالصواب»، وصحّحه ابن السكن كما في البدر المنير (٨/ ٦١٩) وليس فيه الشطر الأخير، والحاكم (٧٦١٥، ٨١٥٨)، وحسن إسناده الذهبي في المهذب (١٣٧٢٠)، والعراقي في المغني (٢٩٨٣)، وزكريا الأنصاري في أسنى المطالب (٤/ ١٣١)، والهيتمي في الزواجر (٢/ ٧٦٢)، والشربيني في مغني المحتاج (٤/ ١٥٠)، وهو في السلسلة الصحيحة (٦٦٣). وروي عن غير عبد الله بن دينار مرسلًا، وفي الباب عن أبي هريرة ﵁.