إغاثة اللهفان

وفي الحديث الآخر: «إن الخطيئة إذا أُخفيت لا تَضُرّ إلا صاحبها، ولكن إذا أُعلنت فلم تُنكَر ضرّت العامة»١.

وكذلك الزنى بالمرأة التي لا زوج لها أيسرُ إثمًا من الزنى بذات الزوج، لما فيه من ظلم الزوج والعدوان عليه، وإفسادِ فراشه عليه، وقد يكون إثمُ هذا أعظم من إثم مجرد الزنى أو دونه.

والزنا بحليلة الجار أعظم من الزنى ببعيدة الدار، لما اقترن بذلك من أذى الجار، وعدم حفظ وصية الله تعالى ورسوله به.

وكذلك الزنى بامرأة الغازي في سبيل الله أعظمُ إثمًا عند الله من الزنى بغيرها، ولهذا «يقام له يوم القيامة، ويقال له: خُذْ من حسناته ما شئت»٢.

وكما تختلف درجاته بحسب المَزنيِّ بها، فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان والأحوال، وبحسب الفاعل، فالزنى في رمضان ليلًا أو نهارًا أعظم إثمًا منه في غيره، وكذلك في البقاع الشريفة المفضّلة هو أعظم إثمًا منه فيما سواها.

  1. (١) رواه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٤٠) والطبراني في الأوسط (٤٧٧٠) من طريق مروان بن سالم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا، قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٢٨): «فيه مروان بن سالم الغفاري وهو متروك»، وحكم عليه الألباني بالوضع في السلسلة الضعيفة (١٦١٢). ورواه ابن المبارك في الزهد (١٣٥٠) وغيره عن الأوزاعي عن بلال بن سعد قولَه.
  2. (٢) أخرجه مسلم (١٨٩٧) عن بريدة بن الحصيب.
876

وأما تفاوته بحسب الفاعل: فالزنى من الحرّ أقبح منه من العبد، ولهذا كان حَدّه على النصف من حدِّه، ومن المحصَن أقبحُ منه من البِكْر، ومن الشيخ أقبحُ منه من الشاب، ولهذا كان أحدَ الثلاثة الذين لا يُكَلّمهم الله يوم القيامة ولا يُزكّيهم ولهم عذاب أليم: الشيخ الزاني١، ومن العالم أقبح منه من الجاهل، لعلمه بقبحه وما يترتب عليه، وإقدامه على بصيرة، ومن القادر على الاستغناء عنه أقبح من الفقير العاجز.

فصل

ومما ينبغي أن يُعلم: أنه قد يقترن بالأيسر إثمًا ما يجعله أعظم إثمًا ممَّا هو فوقه.

مثاله: أنه قد يقترن بالفاحشة من العشق الذي يوجب اشتغال القلب بالمعشوق، وتألُّهه له وتعظيمه، والخضوع له، والذل له، وتقديم طاعته وما يأمر به على طاعة الله تعالى ورسوله وأمره، فيقترن بمحبة خِدْنه وتعظيمه، وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، ومحبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، ما قد يكون أعظم ضررًا على صاحبه من مجرَّد ركوب الفاحشة.

فإن المحبوبات لغير الله قد أثبتَ الشارعُ فيها اسم التعبُّد، كقوله ﷺ في الصحيح: «تَعِسَ عبد الدينار، تعس عبد الدراهم، تعس عبد القطيفة، [١٢٥ أ] تعس عبد الخميصة، تعس وانتكَسَ، وإذا شِيكَ فلا انتَقَشَ، إن أُعطيَ رضيَ، وإن مُنِع سخط». رواه البخاري٢.

  1. (١) كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم (١٠٧).
  2. (٢) برقم (٢٨٨٦، ٢٨٨٧) عن أبي هريرة.
877

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي