إغاثة اللهفان

المحبوب، وإنما يُعْرَفُ ذلك في محبته لجنسه، فتستوعبُ قلبه، وتسلُب لُبّه، وتُصيِّره لمعشوقه سامعًا مطيعًا، كما قال:

[١٢٦ أ] إنَّ هَوَاكَ الَّذِي بِقَلبيصَيَّرَنِي سَامِعًا مُطِيعَا١

ويقوَى هذا السمعُ والطاعة عند كثير من العُشَّاق، حتى يَبْذُلَ نفسه، ويُسلمها للتلف في طاعة معشوقه، كما يبذُل المجاهد نفسه لربه، حتى يُقتل في سبيله، وإذا كان النبي ﷺ قد قال في الحديث الذي رواه أحمد وغيره٢: «شارب الخمر ــ أو قال: مُدمِنُ الخمر ــ كعابدِ وثَن».

ومرّ علي بن طالب ﵁ بقوم يلعبون بالشِّطْرنج، فقال٣:

  1. (١) البيت ضمن أبيات في «مصارع العشَّاق» (٢/ ٢٤). قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: الحاشية ليست (هكذا) في المطبوع. وتم التصويب من الأصل الوارد من «عطاءات العلم» جزاهم الله خيرا.
  2. (٢) مسند أحمد (١/ ٢٧٢) عن محمد بن المنكدر قال: حُدِّثت عن ابن عباس أنّ النبيّ ﷺ قال: «مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن»، وبهذا الإسناد رواه عبد بن حميد (٧٠٨)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١١١٦) من طريق أحمد. ورواه عبد الرزاق (٩/ ٢٣٩) عن ابن المنكدر عن ابن عباس. ورواه ابن حبان (٥٣٤٧) ــ ومن طريقه الضياء في المختارة (٣٥٦) ــ وابن عدي في الكامل (٤/ ٢٠٩) عن عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب، والبزار (٥٠٨٥) وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٥٣) وابن الجوزي (١١١٩) عن حكيم بن جبير، والطبراني في الكبير (١٢/ ٤٥) عن ثوير بن أبي فاختة، ثلاثتهم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وصححه ابن دقيق العيد في الإلمام (١٤٩٧)، والهيتمي في الزواجر (٢/ ٧٧٧)، وهو في السلسلة الصحيحة (٦٧٧). وفي الباب عن أنس بن مالك وعلي وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وفيه اختلاف وعن بعض الصحابة.
  3. (٣) رواه ابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٢٤) وابن أبي شيبة (٥/ ٢٧٨) وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٩٢) والآجري في تحريم النرد (ص ١٣٥)، والخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص ٧٩)، والضياء في المختارة (٧٤٤) من طرق عن فضيل بن مرزوق عن ميسرة بن حبيب النهدي عن علي، وميسرة لم يدرك عليًّا. ورواه ابن أبي الدنيا (٩٣) من طريق سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي، وهذا إسناد ضعيف جدًّا، ومن طريق ابن أبي الدنيا رواه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢١٢) وفي الشعب (٥/ ٢٤١). قال أحمد كما في المغني (١٢/ ٣٦): «أصحّ ما في الشطرنج قول عليّ»، وصحّحه ابن حزم في المحلّى (٩/ ٦٣)، وابن تيمية كما في المجموع (٣٢/ ٢١٨، ٢٤٤) وفي غيره، وابن القيم في الفروسية (ص ٣١٢)، وضعّفه الألباني في الإرواء (٨/ ٢٨٨).
883

﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢].

فما الظن بالعاشق المتيّم الفاني في معشوقه؟

ولهذا قرن الله سبحانه بين الخمر والأنصاب، وهي الأصنام التي تُعبدُ من دون الله، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].

ومعلومٌ أن شاربَ الخمر لا يدوم سُكْرُه بها، بل لابدّ أن يُفيق، ولعلّ أوقات إفاقته أكثر من أوقات سُكره، وأمَّا سكرة العِشْق فقَلّ أن يستفيق صاحبها، إلا إذا جاءت الرسُل تطلبه للقدوم على الله تعالى.

ولهذا استمرت سَكْرُة اللوطية حتى فَجَأهم عذابُ الله وعقوبته وهُمْ في سَكرتهم يَعْمَهون، فكيف إذا خرج العشق إلى حد الجنون المطبق؟ كما أنشد محمد بن جعفر الخرائطيّ في كتاب «اعتلال القلوب»١، قال:

  1. (١) ص ٣٢٦. والبيتان لمجنون ليلى في ديوانه (ص ٢١٨)، والأغاني (٢/ ٣٢)، ومصارع العشاق (١/ ١٢٦، ٢/ ١٨١). وانظر: روضة المحبين (ص ٧٠).
884

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي