ولهذا قرن الله سبحانه بين الخمر والأنصاب، وهي الأصنام التي تُعبدُ من دون الله، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾[المائدة: ٩٠، ٩١].
ومعلومٌ أن شاربَ الخمر لا يدوم سُكْرُه بها، بل لابدّ أن يُفيق، ولعلّ أوقات إفاقته أكثر من أوقات سُكره، وأمَّا سكرة العِشْق فقَلّ أن يستفيق صاحبها، إلا إذا جاءت الرسُل تطلبه للقدوم على الله تعالى.
ولهذا استمرت سَكْرُة اللوطية حتى فَجَأهم عذابُ الله وعقوبته وهُمْ في سَكرتهم يَعْمَهون، فكيف إذا خرج العشق إلى حد الجنون المطبق؟ كما أنشد محمد بن جعفر الخرائطيّ في كتاب «اعتلال القلوب»١، قال:
الْعِشْقُ لَيْسَ يُفيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُوَإنَما يُصْرَعُ المَجْنُونُ في الحِين
فصاحبه أحقّ بأن يُشَبَّه بعابد الوَثن، والعاكِف على التماثيل، فإن عكوف قلب العاشق على صورة محبوبه وتمثاله يُشْبه عكوفَ عابد الصَّنم على صَنمه.
وإذا كان الشيطانُ يريدُ أن يوقع العدواة والبغضاء بين المسلمين في الخمر والميسر، ويصُدّهم بذلك عن ذكر الله وعن الصلاة، فالعدواةُ والبغضاءُ والصّدّ الذي يُوقعه بالعشق أعظم بكثير.
وجميع المعاصي يجتمعُ فيها هذان الوصفان، وهما العدواة والبغضاء، والصّدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن التَّحابَّ والتآلُفَ إنما هو بالإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾[مريم: ٩٦]، أي: يُلْقِي بينهم المحبة، فيُحبّ بعضهم بعضًا، فيتراحمون، ويتعاطفون، بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعضٍ من المحبة.
وقال ابن عباس١: يُحبّهم ويحبّبُهم إلى عباده.
(١) رواه ابن أبي شيبة (٧/ ١٣٧) وهناد في الزهد (٤٧٨) والبيهقي في الزهد (٨١٢) من طريق ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ورواه ابن أبي الدنيا في الأولياء (٣٢) والطبري في تفسيره (١٨/ ٢٦٢) والبيهقي في الزهد (٨١١) وغيرهم من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.