إغاثة اللهفان

وقال الزَّجاج١: معناه: لا تُظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حقٍّ، فيفتتنوا بذلك.

وقال الفرّاء٢: لا تُظهر علينا الكفار، فيَرَوْا أنهم على حقٍّ وأنا على باطل.

[١٢٨ ب] وقال مقاتل٣: لا تُقَتِّرْ علينا الرزق وتبسطه عليهم، فيكون ذلك فتنةً لهم.

وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فَتن كلًا من الفريقين بالفريق الآخر، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣].

والمقصود أنه سبحانه فَتَنَ أصحاب الشهوات بالصور الجميلة، وفتن أولئك بهم، فكلٌّ من النوعين فتنةٌ للآخر، فمن صبر منهم على تلك الفتنة نجا مما هو أعظم منها، ومن أصابته تلك الفتنةُ سقط فيما هو شرّ منها، فإن تدارك ذلك بالتوبة النصوح، وإلا فبسبيل مَنْ هلك، ولهذا قال النبي ﷺ: «ما تركتُ بعدي فتنةً أضرّ من النساءِ على الرجال»٤ أو كما قال.

فالعبدُ في هذه الدار مفتونٌ بشهواته، ونفسه الأمّارة، وشيطانه المُغوِي المزَيِّن، وقُرنائه، وما يراه ويشاهده مما يعجز صبره عنه، ويتفق مع ذلك

  1. (١) معاني القرآن له (٥/ ١٥٧).
  2. (٢) معاني القرآن (٣/ ١٥٠).
  3. (٣) تفسير مقاتل (٣/ ٣٥٠). وفيه: فيكون ذلك فتنة لنا.
  4. (٤) أخرجه البخاري (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠) عن أسامة بن زيد.
899

ضعف الإيمان واليقين، وضعف القلب، ومرارة الصبر، وذَوْقُ حلاوة العاجل، وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العِوض مؤجّلًا في دار أخرى غير هذه الدار التي منها خلق، وفيها نشأ، فهو مكلفٌ بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيبٍ طُلب منه الإيمان به:

فَوَ اللّهِ لَوْلا اللهُ يُسْعِدُ عَبْدَهُبِتَوْفِيقِه وَاللهُ بِالْعَبْدِ أَرْحَمُ
لَمَا ثَبَتَ الإيمَانُ يَوْمًا بِقَلْبِهِعَلَى هذِه العِلاّتِ وَالأَمْرُ أَعْظَمُ
وَلا طَاوَعَتْهُ النّفْسُ في تَرْكِ شَهْوَةٍمَخَافَةَ نَارٍ جَمْرُها يَتَضَرَّمُ
ولا خاف يومًا من مقامِ إلاههعليه بحكمِ القسطِ إذ ليس يظلم

فصل

والفتنة نوعان: فتنةُ الشبهات وهى أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات.

وقد يجتمعان للعبدِ، وقد ينفردُ بإحداهما:

ففتنة الشبهات: من ضعفِ البصيرة، وقلة العلم، ولاسِيَّما إذا اقترن بذلك فسادُ القصد، وحصولُ الهوى، فهنالك الفتنةُ العظمى، والمصيبةُ الكبرى، فقُلْ ما شئت في ضلال سيِّئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهُدَى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث الله به رسوله، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣].

وقد أخبر الله سبحانه أن اتباع الهوى يُضلّ عن سبيل الله، فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].

900

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي