إغاثة اللهفان

وليس هذا بعجيب من شأنه، وقَدْ فَقَدَ نصيبه من الهدى والرحمة، فلو هُدِي ورُحم لكان شأنه غير هذا الشأن، ولكن الربّ تعالى أعلمُ بالمحلِّ الذي يصلح للهدى والرحمة، فهو الذي يؤتيهما العبد، كما قال عن عبده الخضر: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].

﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].

فصل

ومما ينبغي أن يُعلم: أن الرحمة صفةٌ تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشَقّت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرْحَمُ الناس بك من شَقّ عليك في إيصال مصالحك، ودَفْعِ المضارّ عنك.

فمن رحمة الأب بولده: أن يُكرِهه على التأدّب بالعلم والعمل، ويشقّ عليه في ذلك بالضّرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظنّ أنه يرحمه ويُرفّهُه ويُريحه، فهذه رحمة مقرونة بجهل، كرحمة الأم.

ولهذا كان من إتمام رحمة أرحم الراحمين: تسليطُ أنواع البلاء على العبد، فإنه أعلم بمصلحته، فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أعراضه وشهواته: من رحمته به، ولكنّ العبد لجهله وظُلمه يتّهم ربَّه، ولا يعلم إحسانه إليه بابتلائه وامتحانه.

وقد جاء في أثر١: «إن المبتلى إذا دُعي له: اللهم ارحَمه، يقول الله

  1. (١) ذكره أبو طالب المكي في قوت القلوب (٢/ ٣٩) بغير إسناد فقال: رُوي أنّ موسى ﵇ نظر إلى عبد عظيمِ البلاء فقال: يا ربّ ارحمه، فأوحى اللّه ﷿ إليه: كيف أرحمه ممّا به أرحمه.
915

سبحانه: كيف أرحمُه مِن شيء به أرحَمُه؟».

وفى أثر آخر١: «إن الله إذا أحبّ عبده حماه الدنيا وطيّباتِها وشهواتها، كما يحمِيْ أحدُكم مريضَه».

فهذا من تمام رحمته به، لا من بُخْله عليه.

كيف وهو الجواد الماجد، الذي له الجودُ كلّه، وجُودُ جميع الخلائق في جَنب جُودِهِ أقلُّ من ذَرةٍ في جبال الدنيا ورمالها.

فمن رحمته سبحانه بعباده: ابتلاؤهم بالأوامر والنواهي رحمةً وحِمْيةً، لا حاجةً منه إليهم بما أمرهم به، فهو الغني الحميد، ولا بُخلًا منه عليهم بما نهاهم عنه، فهو الجواد الكريم.

  1. (١) هو أثر مرفوع، رواه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ١٨٥)، والترمذي (٢٠٣٦)، وابن أبي الدنيا في الزهد (٣٨)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٩٠، ١٩١)، وعبد الله في زوائد الزهد (ص ١١)، والطبري في التهذيب (٤٨٣ - مسند ابن عباس ـ)، والطبراني في الكبير (١٩/ ١٢)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٢٠)، وغيرهم من طريق محمود بن لبيد عن قتادة بن النعمان مرفوعا: «إذا أحبَّ الله عبدًا حماه الدنيا كما يظلّ أحدكم يحمي سقيمَه الماء»، ورُوِي عن محمود عن عقبة بن رافع، وعنه عن رافع بن خديج، وعنه عن أبي سعيد الخدري، قال الترمذي: «حديث حسن غريب، وقد روِي عن محمود بن لبيد عن النبي ﷺ مرسلًا .. ومحمود قد أدرك النبي ﷺ ورآه وهو غلام صغير»، وصححه ابن حبان (٦٦٩)، والحاكم (٧٤٦٤، ٧٨٥٧)، وحسن إسناده ابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٣٤٤). وفي الباب عن حذيفة.
916

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي