إغاثة اللهفان

سبحانه: كيف أرحمُه مِن شيء به أرحَمُه؟».

وفى أثر آخر١: «إن الله إذا أحبّ عبده حماه الدنيا وطيّباتِها وشهواتها، كما يحمِيْ أحدُكم مريضَه».

فهذا من تمام رحمته به، لا من بُخْله عليه.

كيف وهو الجواد الماجد، الذي له الجودُ كلّه، وجُودُ جميع الخلائق في جَنب جُودِهِ أقلُّ من ذَرةٍ في جبال الدنيا ورمالها.

فمن رحمته سبحانه بعباده: ابتلاؤهم بالأوامر والنواهي رحمةً وحِمْيةً، لا حاجةً منه إليهم بما أمرهم به، فهو الغني الحميد، ولا بُخلًا منه عليهم بما نهاهم عنه، فهو الجواد الكريم.

  1. (١) هو أثر مرفوع، رواه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ١٨٥)، والترمذي (٢٠٣٦)، وابن أبي الدنيا في الزهد (٣٨)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٩٠، ١٩١)، وعبد الله في زوائد الزهد (ص ١١)، والطبري في التهذيب (٤٨٣ - مسند ابن عباس ـ)، والطبراني في الكبير (١٩/ ١٢)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٣٢٠)، وغيرهم من طريق محمود بن لبيد عن قتادة بن النعمان مرفوعا: «إذا أحبَّ الله عبدًا حماه الدنيا كما يظلّ أحدكم يحمي سقيمَه الماء»، ورُوِي عن محمود عن عقبة بن رافع، وعنه عن رافع بن خديج، وعنه عن أبي سعيد الخدري، قال الترمذي: «حديث حسن غريب، وقد روِي عن محمود بن لبيد عن النبي ﷺ مرسلًا .. ومحمود قد أدرك النبي ﷺ ورآه وهو غلام صغير»، وصححه ابن حبان (٦٦٩)، والحاكم (٧٤٦٤، ٧٨٥٧)، وحسن إسناده ابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٣٤٤). وفي الباب عن حذيفة.
916

ومن رحمته: أن نَغّص عليهم الدنيا وكدَّرها، لئلَّا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا إليها، ويرغبوا في النّعيم المُقيم في داره وجواره، فساقهم إلى ذلك بسياط الابتلاء والامتحان، فمنَعهم ليُعطيَهُمْ، وابتلاهُم ليُعافيَهُمْ، وأماتهم ليُحْييَهُمْ.

ومن رحمته بهم: أن حذَّرهم [١٣١ ب] نفسه، لئلا يغترّوا به، ويعاملوه بما لا تَحْسُنُ معاملته به، قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠].

قال غير واحد من السلف: من رأفته بالعباد حذّرهم الله من نفسه، لئلا يغتروا به١.

فصل

ولما كان تمام النعمة على العبد إنما هو بالهدى والرحمة، كان لهما ضدان: الضلال والغضب.

فأمرنا الله سبحانه أن نسأله كل يوم وليلةٍ مراتٍ عديدةً: أن يهدينا صراط الذين أنعم عليهم، وهم أولو الهُدى والرحمة، ويُجنّبنا طريق المغضوب عليهم وهم ضد المرحُومين، وطريق الضالين وهم ضد المهتدين، ولهذا كان هذا الدعاء من أجمع الدعاء، وأفضله، وأوجبه.

وبالله التوفيق.

  1. (١) روى عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١١٨) ــ ومن طريقه الطبري في تفسيره (٦٨٤٤) ــ عن ابن عيينة عن عمرو عن الحسن البصري قال: «مِن رأفته بهم أن حذّرهم نفسَه»، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣٣/ ٩٨) من طريق الفضيل بن عياض عن الحسن، وعزاه في الدر المنثور (٢/ ١٧٧) لابن المنذر.
917

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي