إغاثة اللهفان

الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]، فإذا نقص الإيمانُ وضعُفَ كان حَظّ العبد من ولاية الله له ومَعِيّته الخاصة بقدر حَظّه من الإيمان.

وكذلك النصر والتأييد الكامل إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، فمن نقص إيمانُه نقص نصيبه من النصر والتأييد.

ولهذا إذا أصيبَ العبد بمصيبةٍ في نفسه أو ماله أو بإدالة عَدُوّه عليه، فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجبٍ، أو فعل محرم، وهو من نقْص إيمانه.

وبهذا يزول الإشكال الذي يُورده كثير من الناس على قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. ويجيبُ عنه كثيرٌ منهم بأنه لن يَجْعَلَ لهم عليهم سبيلًا في الآخرة. ويجيب آخرون بأنه [١٣٣ ب] لن يجعل لهم عليهم سبيلًا في الحجة.

والتحقيق: أنها مثل هذه الآيات، وأن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوّهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوه من طاعة الله تعالى.

فالمؤمن عزيز عالٍ مُؤَيَّدٌ منصور مَكْفِيٌّ مَدْفوعٌ عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه مَنْ بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته، ظاهرًا وباطنًا.

وقد قال تعالى للمؤمنين: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جُندٌ من جنود الله، يحفظهم بها، ولا يُفْرِدُها عنهم،

927

ويقتطعها عنهم، فيُبْطِلها عليهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم، إذ كانت لغيره، ولم تكن مُوافقةً لأمره.

فصل

وأما المقام الثاني الذي وقع فيه الغلطُ: فكثيرٌ من الناس يَظنّ أن أهل الدِّين الحق يكونون في الدنيا أذِلّاءَ مقهورين مغلوبين دائمًا، بخلاف مَنْ فارقهم إلى سبيل أُخرى، وطاعة أخرى. فلا يَثِقُ بوعد الله بنصر دينه وعباده، بل إما أن يجعل ذلك خاصًّا بطائفة دون طائفة، أو بزمان دون زمانٍ، أو يجعله مُعَلَّقًا بالمشيئة، وإن لم يُصرح بها.

وهذا من عَدم الوثوقِ بوعد الله تعالى، ومن سوء الفهم في كتابه. والله سبحانه قد بَيّن في كتابه أنه ناصرُ المؤمنين في الدنيا والآخرة:

قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ٢٠ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢٠، ٢١]، وهذا كثيرٌ في القرآن.

وقد بَيَّن سبحانه فيه أنّ ما أصاب العبد من مصيبة، أو إدالة عَدوٍّ، أو كسرٍ وغير ذلك، فبذنوبه.

فبين سبحانه في كتابه كلا المقدّمتين، فإذا جَمَعْتَ بينهما تبيَّن لك

928

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي