حيث قال: ينتظم قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بعد فصل آخر ليس بموضعه، على تأويل: «فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة».
وهذا القول يُروى عن ابن عباس، وهو منقطعٌ١، واختاره قتادة٢ وجماعة. وكأنهم لما أشكل عليهم وجهُ تعذيبهم بالأموال والأولاد في الدنيا، وأن سرورهم ولذتهم ونعيمهم بذلك، فرُّوا إلى التقديم والتأخير.
وأما الذين رأوا أن الآية على وجهها ونظمها، فاختلفوا في هذا التعذيب:
فقال الحسن البصري: يعذبهم بأخذ الزكاة منها والإنفاق في الجهاد٣.
واختاره ابن جرير، وأوضحه، فقال: العذاب بها إلزامهم بما أوجب الله عليهم فيها من حقوقه وفرائضه، إذ كان يؤخذ منه ذلك، وهو غير طيب النفس، ولا راجٍ من الله جزاءً، ولا من الآخذ منه حمدًا ولا شكرًا، بل على صُغْرٍ منه وكُرْهٍ٤.
(١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٢٩٦) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄، وعزاه في الدر المنثور (٤/ ٢١٨) لابن المنذر.
(٢) رواه عن قتادة ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٨١٣)، وعزاه في الدر المنثور (٤/ ٢١٨) لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.
(٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٢٩٦).
(٤) انظر المصدر السابق.
وهذا أيضًا عدولٌ عن المراد بتعذيبهم في الدنيا بها، وذهاب عن مقصود الآية.
وقالت طائفة: تعذيبهم بها أنهم يُعرَّضون١ بكفرهم لغنيمة أموالهم، وسَبْي أولادهم؛ فإن هذا حكم الكافر، وهم في الباطن كذلك.
وهذا أيضًا من جنس ما قبله؛ فإن الله سبحانه أقرَّ المنافقين، وعصم أموالهم وأولادهم بالإسلام الظاهر، وتولّى سرائرهم، فلو كان المراد ما ذكره هؤلاء لوقع مراده سبحانه من غنيمة أموالهم وسبي أولادهم، فإن الإرادة هاهنا كونِيّة بمعنى المشيئة، وما شاء الله كان ولا بد، وما لم يشأ لم يكن.
فالصواب والله أعلم أن يقال: تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبِّيها ومُؤْثِريها على الآخرة، بالحرص على تحصيلها، والتعب العظيم في جمعها، ومقاساة أنواع المشاقِّ في ذلك، فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبرُ همِّه، وهو حريص بجهْده على تحصيلها.
والعذاب هنا هو الألم والمشقة والتعب، كقوله ﷺ: «السفر قطعة من العذاب»٢، وقوله: «إن الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه»٣؛ أي يتألم ويتوجع، لا أنه يعاقب بأعمالهم.
وهكذا مَن الدنيا كلُّ همِّه أو أكبرُ همِّه، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث أنس ﵁: «من كانت الآخرة
(١) في م: «يرضون»، وفي ح: «معرّضون».
(٢) أخرجه البخاري (٥٤٢٩)، ومسلم (١٩٢٧) عن أبي هريرة.