إغاثة اللهفان

ويقتطعها عنهم، فيُبْطِلها عليهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم، إذ كانت لغيره، ولم تكن مُوافقةً لأمره.

فصل

وأما المقام الثاني الذي وقع فيه الغلطُ: فكثيرٌ من الناس يَظنّ أن أهل الدِّين الحق يكونون في الدنيا أذِلّاءَ مقهورين مغلوبين دائمًا، بخلاف مَنْ فارقهم إلى سبيل أُخرى، وطاعة أخرى. فلا يَثِقُ بوعد الله بنصر دينه وعباده، بل إما أن يجعل ذلك خاصًّا بطائفة دون طائفة، أو بزمان دون زمانٍ، أو يجعله مُعَلَّقًا بالمشيئة، وإن لم يُصرح بها.

وهذا من عَدم الوثوقِ بوعد الله تعالى، ومن سوء الفهم في كتابه. والله سبحانه قد بَيّن في كتابه أنه ناصرُ المؤمنين في الدنيا والآخرة:

قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ٢٠ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢٠، ٢١]، وهذا كثيرٌ في القرآن.

وقد بَيَّن سبحانه فيه أنّ ما أصاب العبد من مصيبة، أو إدالة عَدوٍّ، أو كسرٍ وغير ذلك، فبذنوبه.

فبين سبحانه في كتابه كلا المقدّمتين، فإذا جَمَعْتَ بينهما تبيَّن لك

928

حقيقة الأمر، وزال الإشكالُ بالكُلِّيَّةِ، واستغنيتَ عن تلك التكلُّفات الباردة والتأويلات البعيدة.

فقرر سبحانه المقام الأوّل بوجوه من التقرير:

منها: ما تقدم.

ومنها: أنه ذَمّ مَنْ يطلبُ النّصر والعزّ من غير المؤمنين، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٦].

فأنكر على مَنْ طلب النصر من غير حِزْبه، وأخبر أن حزبه هم الغالبون.

ونظير هذا قوله: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨، ١٣٩].

وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].

وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، أي: مَنْ كان يُريدُ العِزّة فليَطْلُبها بطاعة الله من الكلم الطيب والعمل الصالح.

وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨].

929

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي