إغاثة اللهفان

وقال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤].

وقال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].

ولهذا أمر الله سبحانه رسولَه والمؤمنين باتباع ما أُنزل إليهم، وهو طاعته وهو المقدمة الأولى، [١٣٤ ب] وأمر بانتظار وَعده، وهو المقدمة الثانية، وأمر بالاستغفار والصبر، لأن العبد لا بدّ أن يحصل له نوع تقصير وسَرَف يزيله الاستغفار، ولا بدّ في انتظار الوعد من الصبر، فبالاستغفار تتمّ الطاعة، وبالصبر يتمّ اليقين بالوعد، وقد جمع الله سبحانه بينهما في قوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥].

وقد ذكر الله سبحانه في كتابه قصص الأنبياء وأتباعهم، وكيف نجَّاهم بالصبر والطاعة، ثم قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].

فصل

وتمام الكلام في هذا المقام العظيم يتبين بأصول نافعة جامعة:

الأصل الأول: أن ما يصيبُ المؤمنين من الشرور والمحن والأذى دون ما يصيب الكفار، والواقع شاهد بذلك، وكذلك ما يصيب الأبرار في هذه الدنيا دون ما يصيب الفجار والفساق والظَّلَمة بكثير.

الأصل الثاني: أن ما يصيب المؤمنين في الله تعالى مقرونٌ بالرضا

933

والاحتساب، فإن فاتَهُم الرضا فمعَوَّلهم على الصبر والاحتساب، وذلك يُخفِّف عنهم ثقلَ البلاء ومَؤُونته، فإنهم كلما شاهدوا العِوَض هان عليهم تحمُّل المشاقّ والبلاء، والكفار لا رضا عندهم ولا احتساب، وإن صبروا فكصبر البهائم، وقد نبَّه سبحانه على ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤]. فاشتركوا في الألم، وامتاز المؤمنون برجاء الأجر والزُّلْفَى من الله تعالى.

الأصل الثالث: أن المؤمن إذا أُوذي في الله فإنه محمول عنه بحسب طاعته وإخلاصه، ووجود حقائق الإيمان في قلبه، حتى يُحْمَل عنه من الأذى ما لو كان شيء منه على غيره لعجَز عن حمله، وهذا من دَفع الله عن عبده المؤمن، فإنه يدفع عنه كثيرًا من البلاء، وإذا كان لابدّ له من شيء منه دَفع عنه ثقله ومَؤُونته ومشقَّته وتبعته.

الأصل الرابع: أن المحبَّة كلَّما تمكَّنت في القلب ورَسَخت فيه كان أذى المُحِبِّ في رضا محبوبه مُسْتحلًى غير مسخوط، والمحبُّون يَفْتَخِرُون عند أحبابهم بذلك، حتى قال قائلهم:

لَئنْ سَاءَنِي أَنْ نِلْتِنِي بَمسَاءةٍلَقَدْ سَرّنِي أَنِّي خَطَرْتُ بِبَالِكِ١

فما الظنّ بمحبة المحبوب الأعلى، الذي ابتلاؤه لحبيبه رحمةٌ منه له وإحسانٌ إليه؟

الأصل الخامس: أن ما يصيبُ الكافر والفاجرَ والمنافق من العِزِّ والنصر

  1. (١) البيت لابن الدمينة في ديوانه (ص ١٧). وانظر: روضة المحبين (ص ١١٣).
934

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي