إغاثة اللهفان

فهذا بعض حِكَمِه في نصر عدوهم عليهم، وإدالته في بعض الأحيان.

الأصل التاسع: أنه ﷾ إنما خلق السماوات والأرض، وخلق الموت والحياة، وزين الأرض بما عليها، لابتلاء عباده وامتحانهم، ليعلم من يريده ويريد ما عنده ممن يريد الدنيا وزينتها.

قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].

وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].

وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].

وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].

وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].

وقال تعالى: ﴿الم ١ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ٢ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].

فالناس إذا أُرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنتُ، أولا يؤمن بل يستمر على السيئات والكفر، ولابد من امتحان هذا وهذا.

فأما من قال: آمنتُ فلا بد أن يَمتحنه الربُّ ويبتليَهُ، ليتبيّن هل هو صادقٌ في قوله: آمنت أو كاذبٌ؟

939

فإن كان كاذبًا رجع على عَقِبَيْهِ، وفَرّ من الامتحان كما يَفِرّ من عذاب الله، وإن كان صادقًا ثبت على قوله، ولم يزده الابتلاء والامتحان إلا إيمانًا على إيمانه.

قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].

وأما من لم يؤمن فإنه يُمتحن في الآخرة بالعذاب ويُفْتَنُ به، وهي أعظم المحنتين، هذا إذا سَلِم من امتحانه بعذاب الدنيا ومصائبها وعقوباتها، التي أوقعها الله بمن لم يَتَّبع رسله وعصاهم، فلا بُدّ من المحنة في هذه الدار وفى البرزخ وفى القيامة لكل أحدٍ.

ولكن المؤمن أخفُّ محنةً وأسهلُ بليّةً، فإن الله يَدْفَعُ عنه بالإيمان، ويحمل عنه به، ويرزقه من الصبر والثبات والرِّضا والتسليم ما يُهَوِّنُ به عليه محنته. وأما الكافر والمنافق والفاجر، فتشتد محنته وبَلِيّتُه وتدوم، فمِحْنةُ المؤمن خفيفةٌ منقطعة، ومحنة الكافر والمنافق والفاجر شديدة متِّصلة.

فلا بد من حصول الألم والمحنة لكل نفس آمنت أو كفرت، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً، ثم تكون له عاقبة الدنيا والآخرة، والكافر والمنافق والفاجر تحصل له اللذة والنعمة ابتداءً، ثم يصير إلى الألم، فلا يطمع أحد أنه يَخْلُص من المحنة والألم البتة.

يوضحه:

الأصل العاشر: وهو أن الإنسان مدنيٌّ بالطبع، لا بدّ له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إراداتٌ، وتصورّات، واعتقادات، فيطلبون منه [١٣٦ أ] أن

940

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي