إغاثة اللهفان

وقال آخر: مساكين أهل الغفلة! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيبَ ما فيها١.

وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف٢.

ووَجْدُ هذه الأمور وذوقها هو بحسب قوة المحبة وضعفها، وبحسب إدراك جمال المحبوب والقرب منه، وكلما كانت المحبَّةُ أكملَ، وإدراكُ المحبوب أتمَّ، والقربُ منه أوفرَ، كانت الحلاوةُ واللذة والسرور والنعيم أقوى.

فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحبَّ، وإليه أقرب= وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يُعْرَفُ إلا بالذوق والوجد. ومتى ذاق القلبُ ذلك لم يُمكِنْه أن يقدّم عليه حبًّا لغيره، ولا أُنسًا به، وكلما ازداد له حبًّا ازداد له عبوديةً وذلًّا، وخضوعًا ورِقًّا له، وحرِّيَّةً عن رقِّ غيره.

فالقلب لا يفلح، ولا يصلح، ولا يتنعَّم، ولا يبتهج، ولا يلتذُّ، ولا يطمئنُّ، ولا يسكن إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه. ولو حصل له جميع ما يلتذُّ به من المخلوقات لم يطمئن إليها، ولم يسكن إليها، بل لا تزيده إلا فاقة وقلقًا، حتى يظفر بما خُلق له، وهُيّئ له، من كون الله وحده نهاية مراده وغاية

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) رواه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٧٠) والبيهقي في الزهد الكبير (٨٠) والخطيب في الزهد (١١٥) من قول إبراهيم بن أدهم، ومن طريق البيهقي والخطيب رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦/ ٣٠٢، ٣٠٣، ٣٦٥، ٣٦٦).
947

مطالبه، فإن فيه فقرًا ذاتيًّا إلى ربه وإلهه، من حيث هو معبوده ومحبوبه وإلهه ومطلوبه، كما أن فيه فقرًا ذاتيًّا إليه، من حيث هو ربُّه وخالقه ورازقه ومدبِّره، وكلما تمكنت محبة الله من القلب وقويت فيه خرج منه تألهه لما سواه، وعبودبته له:

فَأَصْبَحَ حُرًّا عِزَّةً وَصِيَانَةًعَلَى وَجْهِهِ أَنْوَارُهُ وَضِيَاؤُهُ١

وما من مؤمن إلا وفى قلبه محبة لله تعالى، وطمأنينة بذكره، وتنعُّم بمعرفته، ولذة وسرور بذكره، وشوق إلى لقائه، وأُنْسٌ بقربه، وإن لم يُحسّ به لاشتغال قلبه بغيره، وانصرافه إلى ما هو مشغول به، فوجودُ الشيء غيرُ الإحساس والشعور به.

وقوة ذلك وضعفه وزيادته ونقصانه، هو بحسب قوة الإيمان وضعفه وزيادته ونقصانه.

ومتى لم يكن الله وحده غايةَ مراد العبد، ونهاية مقصوده، وهو المحبوب المراد له بالذات والقصد الأول، وكل ما سواه فإنما يحبه ويريده ويطلبه تبعًا لأجله= لم يكن قد حقق شهادة أن لا إله إلا الله، وكان فيه من النقص والعيب والشرك، وله من موجَبات ذلك من الألم والحسرة والعذاب، بحسب ما فاته من ذلك.

ولو سعى في هذا المطلوب بكل طريق، واستفتح من كل باب، ولم يكن [١٣٧ ب] مستعينًا بالله، متوكلًا عليه، مفتقرًا إليه في حصوله، متيقنًا أنه إنما يحصل بتوفيقه ومشيئته وإعانته، لا طريق له سوى ذلك بوجه من الوجوه= لم

  1. (١) البيت مع آخر في طريق الهجرتين (١/ ٩٦).
948

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي