إغاثة اللهفان

هَمَّه جعل الله غِناه في قلبه، وجمع له شَمْله، وأتتْه الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وفَرّق عليه شمله، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له»١.

ومن أبلغ العذاب في الدنيا تشتيتُ الشَّمْل وتفرّقُ القلب، وكون الفقر نُصْبَ عيني العبد لا يفارقه، ولولا سكرة عُشَّاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب، على أن أكثرهم لا يزال يشكو ويصرخ منه.

وفي الترمذي أيضًا عن أبى هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «يقول الله ﵎: ابن آدم! تَفَرّغْ لعبادتي أملأْ صدرك غنًى، وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعلْ ملأت يديك شغلًا، ولم أسدَّ فقرك»٢، وهذا أيضًا من أنواع العذاب، وهو اشتغال القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومجاذبة٣ أهلها إياها، ومقاساة معاداتهم، كما قال بعض السلف٤: «من أحب الدنيا

  1. (١) سنن الترمذي (٢٤٦٥)، ورواه أيضًا هناد في الزهد (٦٦٩)، وابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (٣٩٩)، وابن أبي عاصم في الزهد (١٦٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٧ - ٣٠٨)، وهو في صحيح الترغيب (٣١٦٩)، وفي الباب عن زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء ﵃.
  2. (٢) سنن الترمذي (٢٤٦٦)، ورواه أيضًا أحمد (٢/ ٣٥٨)، وابن ماجه (٤١٠٧)، والبيهقي في الآداب (١١١٩)، وفي الشعب (٧/ ٢٨٨)، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وصححه ابن حبان (٣٩٣)، والحاكم (٣٦٥٧)، وحسّنه ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣/ ٢٦٢)، وهو في السلسلة الصحيحة (١٣٥٩). وفي الباب عن معقل بن يسار ﵁.
  3. (٣) م: «محاربة».
  4. (٤) هو عبد الرحمن بن أبي بكرة، أخرجه ابن أبي الدنيا في «الاعتبار» (٢٠).
57

فليُوطِّن نفسَه على تحمل المصائب».

ومُحِبُّ الدنيا لا ينفكُّ من ثلاث: هَمٍّ لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضي، وذلك أن محبها لا ينال منها شيئًا إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: «لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى لهما ثالثًا»١، وقد مثل عيسى ابن مريم ﵇ محب الدنيا بشارب البحر٢، كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا٣.

وذكر ابن أبى الدنيا٤: أن الحسن كتب إلى عمر بن عبد العزيز: «أما بعد فإن الدنيا دار ظَعْنٍ، ليست بدار إقامة، إنما أُنزل إليها آدم عقوبةً، فاحذرها يا أمير المؤمنين! فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، لها في كل حين قتيل، تُذِلُّ من أعزها، وتُفقِر من جمعها؛ كالسُّمِّ يأكله من لا يعرفه وهو حَتْفُه، فكن فيها كالمداوي جِراحَه، يحتمي قليلًا، مخافة ما يكره طويلًا، ويصبر على شدة الدواء٥؛ مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار الغرّارة، الخدَّاعة الختَّالة، التي قد تزينت بخِدَعها، وفتنت بغرورها، وخيَّلت٦ بآمالها،

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٤٣٩)، ومسلم (١٠٤٨) عن أنس بن مالك.
  2. (٢) ت: «الخمر» وهو تحريف.
  3. (٣) رواه ابن أبي الدنيا في الزهد (٣٤٢) قال: قرأت في كتاب داود بن رشيد، حدثني أبو عبد الله قال: قال عيسى ابن مريم: «طالبُ الدنيا مثل شارب ماء البحر؛ كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى يقتله»، ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ٤٣١) من طريق إبراهيم الحربي عن داود بن رشيد عن أبي عبد الله الصوفي به.
  4. (٤) في كتاب ذم الدنيا (٥٠).
  5. (٥) في جميع النسخ: «الداء»، والمثبت من ت.
  6. (٦) ح: «ختلت».
58

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي