فبادر إلى مُداواة الجُرْح، فقام كأنْ لم يكُن به قَلَبَةٌ.
بُلي العدوّ بالذنب فأصرّ، واحتج وعارَض الأمر، وقَدَح في الحكمة، ولم يسأل الإقالة، ولا ندم على الزّلّة. وبُلي الحبيبُ بالذنب، فاعترف وتاب وندم، وتضرّع واستكان وفَزِع إلى مَفْزَع الخليقة، وهو التوحيد والاستغفار، فأُزيل عنه العَيبُ، وغُفر له الذنب، فقُبل منه المتاب، وفُتح له من الرحمة والهداية كلُّ باب. ونحن الأبناء، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومَنْ كانت شِيمتُهُ التوبة والاستغفار فقد هُدي لأحسن الشيم.
فصل
ثم كاد أحدَ وَلَدَيْ آدم، ولم يَزل يتلاعبُ به حتى قتلَ أخاه، وأسخَطَ أباهُ، وعصَى مولاه، فَسَنّ للذرية قتل النفوس، وقد ثبت في «الصحيح»١ عنه ﷺ أنه قال: «ما مِنْ نفسٍ تُقتلُ ظلمًا إلا كان على ابنِ آدمَ الأوّلِ كِفْلٌ من دَمِها، لأنه أوّلُ مَنْ سَنَّ القتل».
قال سعيد عن قتادة١: ذُكِرَ لنا أنه كان بين آدم ونوح ﵉ عشرةُ قرون، كلهم على الهُدَى وعلى شريعة من الحقّ، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعثَ الله ﷿ نوحًا، وكان أولَ رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، وبُعِث عند الاختلاف بين الناس وترْك الحق.
وقال ابن عباس٢: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ كانوا على الإسلام كلهم.
وهذا هو القول الصحيح في الآية.
وقد روى عطية، عن ابن عباس٣﵄: كانوا أمة واحدة
(١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٩٨٧، ١٩٨٩، ٧٣١٦، ١٠٢٨٧). وروى عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٨٢) ــ ومن طريقه الطبري في تفسيره (٤٠٤٩) وابن أبي حاتم في تفسيره (١٩٨٥) ــ عن معمر عن قتادة قال: «كانوا على الهدى جميعًا، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وكان أوّل نبيّ بعث نوح ﵇». وعزاه في الدر المنثور (١/ ٥٨٣) لعبد بن حميد.
(٢) سيأتي تخريجه.
(٣) ذكره الثعلبي في تفسيره (٢/ ١٣٣) والبغوي في تفسيره (١/ ٢٤٣) وغيرهما بلا إسناد فقالا: رُوِي عن ابن عباس .. وعزاه في الدر المنثور (١/ ٥٨٣) للطبري وابن أبي حاتم، قال ابن تيمية في منهاج السنة (٥/ ١٧٧): «هذا ليس بشيء، وتفسير عطية عن ابن عباس ليس بثابت». والذي في تفسير الطبري (٤٠٥٥) من طريق عطية عن ابن عباس قال: «كان دينًا واحدًا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين».